اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

عشر سنوات من التيه.. ادارة الجميع..خسارة الجميع

بقلم/ انورحزام- عدن

العقد الضائع للسعودية في اليمن:

يمكن فهم فشل السعودية في الوصول إلى حل ناجح للصراع في اليمن ليس كإخفاق عسكري فقط، بل كإخفاق ايستراتيجي- سياسي مركّب امتد لعشر سنوات، كشف خللاً في قراءة المجتمع اليمني، وطبيعة القوى الفاعلة فيه، وحدود القوة الإقليمية عندما تدخل في حروب معقّدة ذات جذور داخلية عميقة.
فيما يلي قراءة تحليلية لأهم أسباب هذا الفشل:

أولًا: خطأ التقدير منذ البداية (2015)
دخلت السعودية الحرب باعتبارها:
عملية عسكرية قصيرة لإعادة “الشرعية” خلال أسابيع.
لكنها اصطدمت بواقع أن:
اليمن ليس دولة مركزية يمكن استعادتها بإزاحة طرف.
الحوثي ليس ميليشيا معزولة بل حركة عقائدية–عسكرية متجذرة.
الشرعية نفسها كانت ضعيفة الحضور والتأثير داخل المجتمع.
النتيجة: تحوّلت “عاصفة الحزم” إلى حرب استنزاف طويلة بلا أفق سياسي واضح.

ثانيًا: الاعتماد على “الشرعية” كواجهة بلا أدوات
راهن القرار السعودي على حكومة لا تملك:
نفوذًا حقيقيًا على الأرض.
قوات موحدة.
قبولًا شعبيًا واسعًا.
قدرة إدارية لإدارة المناطق “المحررة”.
فأصبحت السعودية:
تحمي كيانًا سياسيًا هشًا، بدل أن تبني شريكًا فعليًا قادرًا على إدارة الدولة.

ثالثًا: سوء إدارة التناقضات داخل معسكر الحلفاء
في الجنوب تحديدًا، ارتكبت السعودية خطأ استراتيجيًا واضحًا:
دعمت في الوقت نفسه:
الحكومة اليمنية.
حزب الإصلاح.
المجلس الانتقالي الجنوبي (ضمنيًا عبر التحالف).
هذه الأطراف ليست حلفاء بل خصوم وجوديون.
بدل أن تحسم الرياض خيارها، حاولت إدارة التوازن بينهم، فكانت النتيجة:
صراع داخل “المعسكر الواحد” أشد من الصراع مع الحوثي.
وهذا ما انفجر لاحقًا في عدن، أبين، شبوة، حضرموت، وسقطرى.

رابعًا: اتفاق الرياض… نموذج للفشل السياسي
اتفاق الرياض كان فرصة تاريخية لإعادة ترتيب المعسكر المناهض للحوثي.
لكن:
لم يُنفذ فعليًا.
لم تكن هناك آلية إلزام.
تُركت بنوده للمساومات والتأجيل.
تحوّل من “حل” إلى “أداة لإدارة الأزمة”.
ففقدت السعودية مصداقيتها كراعٍ وضامن.

خامسًا: تجاهل البعد الجنوبي الحقيقي
تعاملت السعودية مع القضية الجنوبية باعتبارها:
ملفًا يمكن احتواؤه سياسيًا داخل إطار اليمن الموحد.
بينما في الواقع:
الجنوب يحمل قضية سياسية تاريخية.
يمتلك قوة عسكرية منظمة (الانتقالي).
يملك حاضنة شعبية واسعة.
يملك مشروعًا سياسيًا واضحًا (استعادة الدولة).
عدم الاعتراف بهذه الحقيقة جعل السياسة السعودية في الجنوب:
سياسة إدارة مؤقتة للغضب… لا حل جذري للقضية.

سادسًا: الحرب تحولت من هدف عسكري إلى عبء سياسي
مع مرور الوقت:
الحوثي أصبح أقوى.
السعودية أصبحت تبحث عن مخرج.
الأولوية تحولت من “الحسم” إلى “الخروج بأقل الخسائر”.
وهنا ظهرت المعضلة:
لا تستطيع السعودية الانتصار… ولا تستطيع الانسحاب.

سابعًا: التناقض السعودي–الإماراتي
التحالف لم يكن برؤية موحدة:
الإمارات دعمت بناء قوى محلية جنوبية.
السعودية تمسكت بإطار الشرعية اليمنية.
فأصبح الجنوب ساحة صراع نفوذ هادئ بين الحليفين، انعكس مباشرة على الأرض.

ثامنًا: غياب الرؤية السياسية النهائية
طوال سنوات الحرب، لم تقدّم السعودية إجابة واضحة لسؤال:
كيف يبدو اليمن الذي نريده بعد الحرب؟
دولة موحدة؟
فيدرالية؟
شمال وجنوب؟
حكم ذاتي؟
غياب هذه الرؤية جعل كل التحركات تكتيكية يومية بلا استراتيجية بعيدة المدى.

الخلاصة التحليلية
فشل السعودية في اليمن لم يكن بسبب:ضعف القوة… بل بسبب سوء إدارة السياسة.
ولم يكن بسبب:
قوة الحوثي فقط… بل بسبب تشتت الحلفاء وفقدان البوصلة السياسية.
السعودية حاولت:
إدارة الجميع
إرضاء الجميع
موازنة الجميع
فانتهى بها الأمر إلى:
خسارة الجميع تدريجيًا.
اليوم، تقف الرياض أمام واقع واضح:
الحوثي طرف لا يمكن تجاهله.
الانتقالي طرف لا يمكن تجاوزه.
الشرعية طرف لا يمكن الاعتماد عليه.

وهذا هو المأزق الحقيقي الذي صنعته السياسة السعودية بنفسها خلال عشر سنوات

زر الذهاب إلى الأعلى