البيت بين العنف والفوضى: كيف يضيع الأبناء حين يغيب الدين ويسكت المجتمع؟

النقابي الجنوبي/خاص/بسمة نصر
الأسرة هي اللبنة الأولى في بناء شخصية الإنسان. هي المدرسة الأولى التي يتعلم فيها الطفل معنى الأمان، الثقة، الحب، الدين، والاحترام. لكن ماذا يحدث حين تتحول الأسرة من حصن للأمان إلى ساحة صراع؟ حين تصير الأم ضحية للعنف وتختار الصمت خوفا من المجتمع؟ وحين يقرر الأب أن يترك أبناءه بلا قدوة دينية ولا ضابط أخلاقي؟ وحين يكبر الأبناء في مناخ مشوه، يختلط فيه العنف مع الفوضى مع التحرر المنفلت؟
قصص كثيرة تتكرر في واقعنا العربي بعضها يبدأ بضربة على وجه أم، وبعضها يبدأ بإهمال صلاة، وأخرى تبدأ بفتاة تقول: “كل شيء عادي”.
لكن النهاية غالبا واحدة: أبناء ضائعون، أسر مفككة، ومجتمع يدفع الثمن.
العنف الأسري – حين يكون الطلاق أهون من البقاء
في إحدى القصص، عاشت أم مع زوجها سنوات طويلة من العنف. كان يضربها أمام أطفالها، يهينها، ويحول البيت إلى ساحة خوف يومي. لكنها لم تتخذ قرار الطلاق، ليس لأنها راضية، بل لأنها خافت من كلام الناس: “مطلقة”، كلمة تراها مجتمعاتنا كوصمة عار.
الأطفال كبروا وهم يشاهدون المشهد نفسه يتكرر: أب يضرب – أم تصمت – بيت لا يعرف لغة الحوار ولا معنى الاحترام.
(النتيجة كانت متوقعة: 1- الأبناء تمردوا على الاثنين.
2- كرهوا الأب لأنه معتد، وكرهوا الأم لأنها لم تحمهم).
خبراء علم النفس يؤكدون أن مشاهدة العنف في الطفولة أخطر من التعرض له مباشرة. فالطفل الذي يكبر على رؤية أمه تهان، يتعلم أن العالم مكان غير آمن، وأن القوة لا تأتي إلا بالعنف. بعض هؤلاء الأطفال يتحولون إلى متنمرين في المدرسة، والبعض الآخر ينسحب إلى عالمه الداخلي ويعيش بقلق دائم.
الباحث النفسي “د. رائد محمد” يقول: “الأم التي تصمت على العنف خوفا من المجتمع ترتكب جريمة مزدوجة: تعذب هي وتعذب معها أولادها”.
التحرر بلا دين – أب قتل أبناءه وهو حي
في قصة أخرى، كان الأب متحررا. لم يعلم أبناءه الصلاة، لم يتحدث معهم عن الأخلاق، بل تركهم بلا ضابط. كان يقرر الحلال والحرام وفق مزاجه، فيصير الدين مجرد رأي لا قيمة له.
كبر الأبناء على هذا الفراغ. النتيجة:
1- الابن الأكبر صار يلهو بمشاعر الفتيات.
2- إحدى البنات رفضت الإيمان بالله تماما.
3- النزاعات داخل البيت لم تتوقف: البعض يريد الدين، والبعض يراه بلا قيمة.
التناقض المضحك المبكي ظهر حين كان الأب يثور على ابنته إذا تأخرت عن البيت، ويضربها بحجة السمعة كيف يطالبها بما لم يعلمها إياه؟ كيف يزرع العنف بدل أن يزرع الوعي؟
فتاة ضحية الفوضى – من التحرر إلى الانكسار
القصة الأشد مرارة هي قصة فتاة تبلغ من العمر تسعة عشر عاما.
كانت تقول عن نفسها: كنت متحررة، كل شيء عندي عادي. لم تصل، لم تعترف بالدين، تمردت على الأهل، وانغمست في صداقات مختلطة بلا ضوابط.
في أحد الأيام، خرجت مع أصدقائها في رحلة. لكنها لم تعد كما خرجت. تم اغتصابها من أشخاص كانت تعتبرهم أصدقاء. تقول: “لم أندم وقتها، كنت شبه ملحدة. اعتبرت الأمر تجربة وانتهت”.
(لكن الحياة لم تتركها تهرب. حين جاء وقت الزواج، واجهت الحقيقة. الماضي لم يرحمها. الندم انفجر، وألقت اللوم على والدها: أنت المذنب لأنك لم تربني على الدين)
كلماتها كانت قاسية، لكنها صادقة. والدها لم يتحملها. اجتمع الذنب مع الخوف من الفضيحة، فاختار الانتحار.
كما تدين تدان جملة صارت عنوانا لهذه القصة: أب أهمل، فدفع الثمن بأبشع طريقة.
العنف الأسري من جديد – الدائرة التي لا تنكسر
العنف ليس مجرد خطأ فردي، بل دائرة تتكرر. الطفل الذي يتعرض للعنف، يكبر ليعيد نفس المشهد مع أبنائه. الفتاة التي تهان، قد تصبح أما عاجزة. والأب الذي يهمل الدين، قد ينجب أبناء يكرهون الله قبل أن يعرفوه.
الأسر المدمرة لا تنتهي عند حدود البيت، بل تخرج إلى المجتمع أجيالا مضطربة:
1- شاب عنيف في الشارع.
2- فتاة بلا ثقة بنفسها.
3- مراهق مدمن.
4- عائلة جديدة تكرر نفس المأساة.
الدروس المستخلصة من التقرير
1- الدين حصن واقا: ليس قيدا، بل حماية.
2- القدوة أهم من الكلام: الأبناء يتعلمون من أفعالنا لا من نصائحنا.
3- الحرية تحتاج إطارا: بلا قيم، تتحول الحرية إلى فوضى.
4- المواجهة أفضل من الصمت أو الانتحار: الطلاق أهون من بيت مليء بالعنف، والحوار أصدق من الضرب.
5- المجتمع شريك في الجريمة: حين يجعل الطلاق عيبا، وحين يحاكم الضحايا بدل دعمهم.
هذه القصص الثلاث – الأم الصامتة، الأب المتحرر، الفتاة الضائعة
ليست حوادث منفصلة، بل حلقات في سلسلة واحدة: عندما يغيب الدين عن البيت، وعندما يصمت على العنف، وعندما يفهم التحرر خطأ، فإن النتيجة دائما واحدة: أبناء تائهون وأسرة ممزقة.
البيت ليس جدرانا فقط، بل هو مدرسة، حضن، ودرع. إذا لم يكن حصنا بالأمان والدين، صار سجنا ينتج الألم.
(الحل ليس في القمع ولا في الانفلات، بل في التوازن: قدوة صالحة، حوار مفتوح، وتربية دينية متزنة).