الجنوب في مجاعة ولا خيار أمامه إلا بحسم أمره

 

بقلم/ سعيد أحمد بن إسحاق

يواجه الجنوبيون منعطفات خطيرة وانزلاقات كثيرة إن لم يحسم أمره.. وعليه تدارس أوضاعه من جميع جوانبها، فالحرب التي تشن عليه ليست من جهة واحدة كما أعتدنا بالسابق وانما اليوم يواجه حروبا متعددة وفي جبهات مختلفة وان تعددت اتجاهاتها ومستوياتها وطريقة إتباعها وفي تفنيد تبعيتها، فالأمور واضحة وحاضرنا ليس كعام 1994 فكل شئ قد تغير طالت حتى المسميات والمعاملات والسلوكيات..

حرب اختلطت فيها المفاهيم بسوء النوايا، والاهداف بانحراف الغايات، والمنهجيات بتحريف التعاريف والمصطلحات، مما زاد العناء عناء نتيجة حرب لزعزعة الثقة القائمة على أعلام متضارب لاجل التناحر والصراعات المفتعلة لتمزيق النسيج الداخلي وذلك لتمكين تجار الحروب للثراء و لبناء الطبقات للافقار والتجويع وخلق سياسة التابع والمتبوع ولتبقى القضية الجنوبية مجرد ملف يدور في مكانه بأيد جنوبية جنوبية فاقدا للقرار الذي ينبغي صدوره بصوت واحد لاستعادة الدولة بدون مساومة، وهوية لصيقة الانتماء بالارض والدين لا لأحد فيها الحق بانتزاعها.

ان الجنوبيين يواجهون حربا في التركيبة السكانية من خلال النزوح شملت كل مناطق الجنوب فاقت سكانه المقيمين تحت مسميات واهية من نازحين ومهمشين ولاجئين وأورمو وانتشارات أخرى تكتسح المناطق الجنوبية بصورة غريبة ومريبة وتم اصدار آلاف البطائق الشخصية بأسماء مختلفة فيها من التزوير بالميلاد ومحل الميلاد لتثبيت الاستيطان وتغيير الهوية والتركيبة السكانية.. حربا شبيهة بما جرى ويجري لفلسطين المحتلة.

حرب فكرية وعقائدية وقبلية تنوعت الطريقة والآلية والتوسعية وكيفية الاستقطاب فيها مستغلة بذلك الظروف الاقتصادية الصعبة والمعيشية.. حرب ينشأ الابناء على حمل السلاح، لا حمل العلم.

وحرب تضييقية بتأخير الراتب أو قطعه وتأجيل العلاوات السنوية واشغال الموظفين بالرفع ضمن نماذج اعدت ماتلبث على البقاء بتوجيهات جديدة بنماذج جديدة وهكذا يستمر الحال ويمضي الوقت في التغيير والتبديل والرفع بين مراجعة ومتابعة ويمضي الوقت ويفنى بلا نتائج تذكر غير الاحباط وعدم الثقة والمصداقية.. حتى اصبح الجنوب مختبرا للصراعات
نتحدث عن النهب لاراضي الدولة ونحن نشاركها حتى رأينا العقار معضلة، برزت صراعات فأفتقدنا الكثير من الأرواح كما تعطلت الكثير من المشاريع الاستثمارية ولا شك ان مايجري هي حرب تشن على الجنوب وحده دون غيره، لها تأثيراتها السلبية في كثير من الجوانب.. ولك أن تفكر من خلال المشاهدات في الاسواق والمساجد والمستشفيات وامام بوابات البنوك والمصارف والصيدليات والمجمعات التجارية والمراكز التسويقية وفرزات سيارات الاجرة وباصات النقل الجماعي أفواج من الشحاتين لم تسلم منها حتى الخطوط الخارجية على جانبيها في منظر يتألم القلب ويتحسر على وطن هذا حاله اليوم في حرب تشن أتت من خارج المحافظات الجنوبية الى الجنوب بداخلها تعمل على العبث والعشوائية والفوضى وعدم الاستقرار مفترشين الميادين والساحات والاسواق وطرق السير، سببت ضغطا على البنية التحتية والخدماتية، أليس ما يواجهه الجنوب انواعا من الحروب المصدرة والفوضى الخلاقة؟ أليست الاضرابات في كل عام دراسي تفقد الثقة بين المعلم والطالب؟ أليست سببا في التسرب وعدم الاقبال على التعليم؟ كثيرة هي الحروب على الجنوب، فلم تعد هناك لائحة تنظيمية ولا تنفيذية لاجور المرافق الحكومية ومؤسساتها تعطي الموظف حقه دون استثناء وتفضيل مرفق على مرفق آخر في الاستحقاقات سواء كان في الاجور أو التشغيلية، فالمرافق الحكومية جميعها حلقات متصلة لا يمكنك فصلها او تفضيلها عن الاخرى بين متبوعة لسلطة محلية وبين مركزية مما ادى الى هضم الحقوق بين موظف وآخر ومنعم بين مرفق وذاك، شجعت على الفساد والتهاون، ولكنها الحرب الذي كتب على الجنوب وقدر .

وهكذا هي السياسات الاستعمارية لبقاء الصراعات والمناكفات والمشاحنات بين الشعوب المستعمرة، لوقف البناء والتنمية؛؛ لحماية وحفظ مصالحه واطماعه وهيمنته في مشاريع فاقدة استنزافية، تقتل فيها الابداعات ويرفع جهلاء القوم وتسقط العقول وتهاجر وتخلق الانانية ولا تفرق حينها بين أمي ومثقف، وتسقط الشهادات التعليمية حين تعرض في جلسات منفردة بين بائع ومشتر لنيل الماجستير والدكتوراه .. فمن منا لا يعلم ذلك و مايحدث؟ لكنها الحرب التي تمارس وتنهك الجميع وتدمر الاخلاق والسلوك ويبنى الغش ويدعم التزوير ولا يكشف تزويره.

حروب اختلط فيها الحابل بالنابل.. لا نعد نسمع إلا عن منظمات ومعونات وودائع ومساعدات، وتجمعات ومكونات، وقص الاشرطة لفتح مشاريع ذات نهج سياسي وقبلي.. وما تلك إلا منغصات وحصار وضغوطات وغلاء وعدم ثبات للعملة أنهارت مقوماتها كعملة أمام العملات العالمية فلم تعد مقبولة، احتفظت بالاسم وهويتها فقط.. نكبات لا تتولد إلا من حروب.

أننا نسمع عن التنمية المستدامة من أصوات لا صدى لها؛ لانها بلا واقع وفاعلية، فالفاعلية يتطلب لها توفير الامن والاستقرار والتساوي ومتى ماتوجب ذلك ترسم المخططات، ولكن كيف تبنى المخططات بدون قاعدة اساسية ترتكز عليها السياسات ألا وهو البيان الاحصائي الرسمي للدولة؟ تعددت المنظمات وتناقضت المؤشرات حتى اصبحنا في المرتبة الثالثة بين 23 دولة تواجه انعدام الامن الغذائي حد المجاعة بحسب آخر التقارير الأممية، فإلى متى نظل نمد أيدينا طلبا للمعونة وللحاجيات الانسانية الطارئة؟ إنها الحرب وإن تعددت أهدافها واختلفت في مخرجاتها ومنهجياتها إلا أننا عراة في ميادينها، وان تضخيم صوت الأنا وتمجيد الذات لا تبني وطن ولا تحرر إنسان ولا تجعل العالم يلتفت إليك.

إن الزمن قد تغير.. فلا مكان لشراء الذمم والتغني بالاكاذيب والترويج لها بالمزيد من المكونات لشل التفكير والتناغم مع الانهزامات والتنقل تحت غطاء المسميات والهلوسات وخلف مذاهب مسروقة ومنتحلة.

برغم كل هذا، إلا انه لا يمكن للمناضلين الشرفاء والصادقين الحقيقيين مع وطنهم ان يصطف خارج تاريخه الوطني مهما كانت السلبيات.. فالوطن بخير بهم وفخور وحفظ الله قائد النضال لاستعادة الدولة والهوية وممثل شعب الجنوب عيدروس قاسم الزبيدي الذي يمتلك رصيدا من الركائز القوية في تاريخه وله القدرة على التمييز بين مساحاته والحكمة والحنكة الذي استطاع ان يصل بالقضيّة الجنوبية الى المحافل الاقليمية والدولية وقدرته للانصات والاستماع وقراءة الوقائع الملموسة التي مكنته على الاقناع والاعتراف بأحقية القضية، مثال على الصبر والمصابرة لاجل وطن نستعيده وعلى الدفاع عن الهوية وكرامة الانسان بالافعال لا بالاقوال، والميادين تحكي عن معادن الرجال في مواقفها ومآثرها المحسوسة وتضحياتها السخية التي لا ينكرها إلا حاقد جاحد وفاشل.

وان الحروب وإن تعددت في هجماتها على الجنوب إلا أنها قد توحدت في معاول الهدم والهدر التي تحملها.

فمن كان يؤمن بالقضيّة الجنوبية وعدالتها باستعادة الدولة.. عليه ان يصطف بصف الكلمة الواحدة والصوت الواحد واستخدام العقل ودفن الماضي وراء ظهره ونبذ الخلافات جانبا والالتفاف تحت القيادة الواحدة فالوطن للجميع أن اراد الامن والاستقرار والبناء والتعمير وحسم الامر لحق المصير .