“الاقتصاد المختطف”.. معركة الحكومة ضد إمبراطورية «هائل سعيد أنعم»

النقابي الجنوبي/خاص
في مشهد يختزل عقودًا من التواطؤ بين السلطة ورأس المال، تتجه الأنظار مجددًا إلى مجموعة “هائل سعيد أنعم وشركاؤه” بعد أن فجّرت موقفًا مثيرًا للجدل برفضها خفض أسعار السلع، رغم التحسن الملحوظ في سعر صرف الريال اليمني. هذا الرفض، الذي تزامن مع تحركات رسمية تطالب بضبط السوق، كشف عن عمق الأزمة الاقتصادية وأعاد تسليط الضوء على علاقة مشبوهة بين المال والقرار السيادي في اليمن.
من الدعم إلى التمرد: الاقتصاد في قبضة شركة
بيان المجموعة الرافض لم يكن مجرد موقف تجاري، بل اعتبره كثيرون تحديًا مباشرًا للدولة، ورسالة تحذير بأن السوق لا تدار من مجلس الوزراء بل من مكاتب الشركات الكبرى.
رئيس الوزراء، “سالم بن بريك”، دعا صراحة إلى التزام التجار بخفض الأسعار، لكن المجموعة ردّت بتحذيرات مبطّنة من “اضطرابات تموينية” و”خسائر محتملة”، في موقف وصفه ناشطون بـ”الوقح” و”التمرد المالي على القرار السيادي”.
ومع أن المجموعة تستحوذ على النصيب الأكبر من سلاسل الاستيراد والتوزيع والغذاء الأساسي في السوق، فإن موقفها أظهر – وفق اقتصاديين – نية واضحة في زيادة هوامش أرباحها، حتى على حساب استقرار السوق واحتياجات المواطنين رغم هبوط سعر صرف العملات الأجنبية بأكثر من %30 أمام الريال اليمني.
تورّط موثق.. من الوديعة إلى الإغاثة
الملف لا يتوقف عند الأزمة الراهنة. فوفق تقرير لفريق خبراء مجلس الأمن في 2021، استحوذت مجموعة “هائل سعيد” على ما يقرب من نصف الوديعة السعودية المقدّرة بـ1.89 مليار دولار، عبر شبكة نفوذ داخل البنك المركزي. بلغت أرباحها الصافية حينها أكثر من 617 مليون دولار، رغم فشل الدعم في خفض أسعار السلع، ما فتح الباب أمام تساؤلات جدية عن نوايا المجموعة وجدوى الدعم الممنوح لها.
وفي وقت كانت فيه أسعار السكر والزيت تتراجع عالميًا، سجّلت الأسواق اليمنية ارتفاعات قياسية تجاوزت 47%. المواطن كان يدفع الثمن، فيما كانت الأرباح تتراكم في حسابات مجموعة هائل.
بلطجة اقتصادية بـ”ربطة عنق”
المحلل السياسي صالح الدويل وصف ممارسات المجموعة بأنها “بلطجة مالية” محمية بنفوذ في المؤسسات الرسمية، لا تقل خطرًا عن السطو المسلح. واعتبر أن ما تم نهبه من الوديعة السعودية بمثابة بلطجة ناعمة تديرها شبكة من المنتفعين داخل مفاصل الدولة.
المهندس جمال باهرمز لم يتردد هو الآخر في المطالبة بـ”كسر احتكار السوق” عبر إدخال مستثمرين أجانب، مشيرًا إلى أن المجموعة تُمارس التجارة في الجنوب لنهب السوق، بينما تدفع الزكاة والمجهود الحربي للمليشيات الحوثية في صنعاء دون اعتراض.
علاقة فاسدة أم شراكة فوق القانون؟
منشورات وتحقيقات متعددة رصدت علاقة “انسجام” بين المجموعة والسلطات المتعاقبة، وهو ما جعلها في موقع أشبه بـ”الدولة داخل الدولة”. الدكتور عادل القيسي اعتبر بيان الشركة الأخير تهديدًا مبطنًا للدولة، مؤكدًا أن المجموعة صمتت طوال سنوات الحرب، ولم تتحدث عن معاناة الناس إلا عندما بدأت إجراءات التصحيح النقدي تلامس مصالحها.
الإعلامي محمد الديني ذهب إلى أبعد من ذلك، متسائلًا: “من يملك القمح والزيت في اليمن؟ من يحتكر الإعلانات والتوزيع والمساعدات الدولية؟ إنها شركة واحدة تتصرف كأنها المرجع الاقتصادي الوحيد في البلاد”.
حكومة تتحدث.. وشبكات تعرقل
أمام هذا الواقع، تبدو الحكومة عاجزة عن فرض إرادتها. فمع كل قرار تصحيحي يصدر عن البنك المركزي، تنشأ في الخلفية شبكات مضاربة واحتكار تعيد خلط الأوراق. ويؤكد خبراء أن غياب العقوبات، وانعدام الشفافية، وتداخل النفوذ السياسي بالتجاري، كلها عوامل تجعل من السوق ساحة صراع غير متكافئ بين سلطة هشّة وشركات مترسخة.
ياسر الصيوعي حذر بدوره من محاولات “الهوامير” لخلق أزمات مفتعلة عبر سحب العملة الصعبة، وإرباك السوق، وتهشيم الثقة بالإجراءات الرسمية، لإظهار أن التحسن النقدي مجرد فقاعة وهمية.
معركة وعي لا أرقام فقط
المعركة اليوم، كما تشير معظم التحليلات، لم تعد معركة أرقام في سوق المال، بل معركة استعادة السيادة الاقتصادية. والمواجهة لم تعد بين حكومة وتجار فقط، بل بين حكومة جديدة، وقوى مالية تراهن على تكلّس الوضع واستمرار الفوضى.
الحل – كما يرى مراقبون – يبدأ بإعادة هيكلة العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص، وفتح السوق أمام المنافسة، وتفعيل أدوات الردع والشفافية. فإما أن تُستعاد الدولة من قبضة الشركات، أو تستمر دولة “الربح فوق السيادة” في إدارة المشهد.