اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

فاجعةٌ تختصر وجع العمر كله

علي صالح الهدياني

لم يكن الشيخ محمد محسن ناجي الهدياني رجلًا عابرًا في هذه الحياة، بل كان شيخًا أثقلت السنون جسده، وأرهقته مشاق الأيام، حتى غدت سنوات عمره الطويلة شاهدةً على ما حمله من تعبٍ وصبرٍ وكفاح.

وكان له من الأبناء ابنٌ واحد فقط هو محمد؛ ذلك الابن الذي كان بالنسبة إليه أكثر من مجرد ولد، كان قرة عينه، ورفيق أيامه، وسند ظهره، وبهجة قلبه، وامتدادًا لوجوده في هذه الحياة.

كان محمد هو الأمل الذي ظلّ الشيخ يتكئ عليه بعد أن أثقلت السنوات خطواته، وكان يرى فيه عونًا له في شيخوخته، وامتدادًا لاسمه وحياته، ورفيقًا يخفف عنه وحشة العمر ومتاعبه.

كان الابن الوحيد بالنسبة لأبيه كل الأبناء في ابن واحد؛ فإذا حضر حضرت معه الحياة، وإذا ابتسم أشرقت في وجه أبيه أيامٌ ربما أرهقتها السنون.

الخبر الذي أطفأ آخر مصابيح العمر
لكن القدر كان يحمل للشيخ فاجعةً تفوق قدرة القلب على الاحتمال.

وحين وصل إلى مسامعه خبر استشهاد ابنه محمد، لم يكن ذلك بالنسبة إليه مجرد خبرٍ عن فقد عزيز، بل كان صدمةً هزّت كيانه كله، وصاعقةً انتزعت منه أغلى ما بقي له في هذه الدنيا.

في لحظة واحدة، فقد الشيخ ابنه الوحيد، وفقد معه سندًا كان يستند إليه، وأملًا كان يعيش من أجله، ورفيقًا كان يرى فيه امتدادًا لعمره.
لم تكن الكلمات قادرة على مواساة قلبه، ولم تكن الدموع قادرة على التعبير عن حجم المصاب.

خيّم الصمت على ملامحه، وكأن هول الفاجعة قد جمّد مشاعره، وعجزت عيناه عن البكاء، لأن الوجع كان أكبر من الدموع، والمصاب كان أثقل من أن تحتمله عينان أو يصفه لسان.

لقد كان الشيخ قد بلغ من العمر عتيًا، ولم يبقَ له من الأبناء سوى محمد، فإذا بالخبر يأتيه ليقول له إن وحيده قد رحل، وإن السند الذي كان يتكئ عليه قد أصبح شهيدًا.

حين يعجز القلب عن احتمال الفراق
وما هي إلا لحظات حتى اشتد عليه الوجد، وغلب الحزن قلبه الذي أنهكته السنون، فلم يستطع أن يحتمل صدمة الرحيل.

فاضت روحه إلى بارئها، وكأن قلبه أبى أن يواصل النبض بعد أن فقد فلذة كبده، وكأن روحه اشتاقت إلى روح ابنه، فلم تطق البقاء طويلًا بعده.

رحل محمد شهيدًا، ولحق به أبوه الشيخ محمد محسن ناجي الهدياني مكلومًا، يحمل في قلبه حب ابنه ووجع فراقه.

وهكذا اجتمع في هذه الفاجعة رحيلان في زمنٍ واحد؛ رحيل ابنٍ اختاره الله شهيدًا، ورحيل أبٍ أنهكته السنون ولم يحتمل أن يعيش بعد وحيده.
فكان الفراق واحدًا، والرحيل اثنين، والمصاب أكبر من أن تستوعبه الكلمات.

أبٌ وابن… جمعهما الحب وجمعهما الرحيل
ما أقسى أن يفقد الأب ابنه، وما أشد أن يكون الابن هو الوحيد الذي بقي له من الأبناء.

وما أعظم الفاجعة حين يكون الأب شيخًا أثقلت السنون جسده، فيفقد في لحظةٍ واحدة من كان يرى فيه قوته وسنده وأمله.

لقد كان محمد لأبيه ابنًا وسندًا ورفيقًا وأملًا، وكان أبوه له أبًا ومرجعًا وملاذًا.
جمعتهما في الدنيا رابطة الدم والمحبة، ثم جمعهما القدر في الرحيل، فكان محمد شهيدًا، وكان أبوه مكلومًا، ثم مضيا إلى رحمة الله.

ولعل أعظم ما يمكن أن يقال في هذا المصاب أن الأب لم يرحل وحده، فقد سبقه إليه ابنه الذي كان يحبه، وكأن آخر ما بقي في قلب الشيخ من تعلق بالدنيا قد رحل مع محمد.

سلامٌ على محمد… وسلامٌ على أبيه
سلامٌ على محمد، يوم حملته الدنيا ابنًا، ويوم فارقها شهيدًا، ويوم يُبعث حيًا عند ربه بإذن الله.

وسلامٌ على أبيه الشيخ محمد محسن ناجي الهدياني، الذي عاش سنوات عمره متحملًا أعباء الحياة، ثم كانت أقسى لحظاته تلك اللحظة التي فقد فيها وحيده.

رحم الله الابن الشهيد، ورحم الله أباه الشيخ الذي لحق به بعد أن أثقل الحزن قلبه.
نسأل الله أن يجعل شهادة محمد رفعةً له في أعلى الدرجات، وأن يجعل صبر أبيه ومحبته لابنه في ميزان حسناته، وأن يجمعهما الله في مستقر رحمته، في دارٍ لا فراق فيها ولا موت ولا ألم ولا حزن.

اللهم اربط على قلوب أهلهما وذويهما، وأنزل عليهم صبرًا وسكينةً وسلوانًا، وعوضهم عن مصابهم خير العوض.

إنا لله وإنا إليه راجعون.

زر الذهاب إلى الأعلى