اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

مليونية الجيش الجنوبي في مرمى القمع.. الحشود تتحدى الإغلاق والرصاص والوصاية

النقابي الجنوبي/خاص


احتشدت جماهير غفيرة في عدن والمكلا، الثلاثاء، لإحياء الذكرى الـ55 لتأسيس الجيش الجنوبي، استجابة لدعوة المجلس الانتقالي الجنوبي، وسط إجراءات أمنية مشددة في المكلا تصاعدت إلى إطلاق النار واعتقالات واعتداء على تجمع نسوي، وفق مصادر إعلامية ومحلية.

وفي المكلا، أغلقت قوات الأمن المدعومة سعوديًا عددًا من الطرق ومداخل المدينة، وحالت دون وصول حشود قادمة من خارجها إلى موقع الفعالية، قبل أن تطلق النار بالقرب من جولة شبام في محاولة لتفريق المتظاهرين ومنعهم من الوصول إلى موقع التجمع الرئيسي.

وأظهرت مشاهد متداولة أفرادًا من قوات الأمن وهم يطلقون النار بالقرب من تجمعات المحتجين، فيما أفادت مصادر بسقوط جرحى في صفوف المتظاهرين. ولم تتضح على الفور حصيلة الإصابات، كما لم يتسنَّ تحديد ما إذا كانت الطلقات أُطلقت في الهواء أم باتجاه المحتجين.

ولم يقتصر القمع على محيط موقع المظاهرة، إذ أفادت مصادر إعلامية بأن قوات الأمن المدعومة سعوديًا اقتحمت تجمعًا نسويًا داخل أحد فنادق المكلا القريبة من موقع الفعالية، وحاولت منع المشاركات من مغادرة الفندق والتوجه إلى المظاهرة، وسط تدخل أمني وُصف بالعنيف.

وأفادت المصادر بأن التدخل أدى إلى إصابة عدد من النساء بحالات إغماء، من بينهن الناشطة سوسن باوزير، فيما قالت مصادر محلية إن القوات واصلت انتشارها في محيط موقع الفعالية ومداخل المدينة.

وكانت قوات الأمن قد أغلقت شارع الأربعين شقة والطريق القريب من جولة شبام، فيما أفادت مصادر بأن نقطة أمنية قرب عقبة عبدالله غريب منعت حشودًا قادمة من خارج المكلا من دخول المدينة.

لكن إجراءات المنع لم توقف تدفق الجماهير. فقد وصلت حشود من سيئون وغيل باوزير والريدة وقصيعر إلى المكلا، بينما اتجه متظاهرون من أحياء منطقة الشرج سيرًا على الأقدام نحو موقع التجمع، في تحدٍّ للإغلاق والانتشار الأمني.

وفي عدن، شهدت ساحة العروض احتشادًا جماهيريًا واسعًا، عقب وصول مواكب من الضالع ولحج وأبين وشبوة، وسط رفع أعلام الجنوب وصور رئيس المجلس الانتقالي الجنوبي عيدروس الزُبيدي، في فعالية أكدت الحضور الشعبي الجنوبي في ذكرى تأسيس الجيش الجنوبي في الأول من سبتمبر عام 1971.

وجاءت المليونية في توقيت سياسي بالغ الحساسية، مع تصاعد الصراع حول مستقبل حضرموت، بالتزامن مع الإعلان الرسمي عن المجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى برئاسة عضو مجلس القيادة الرئاسي ومحافظ حضرموت سالم أحمد الخنبشي، والذي يحظى بدعم شخصيات ومكونات مقربة من السعودية.

ويرفض المجلس الانتقالي الجنوبي هذا التشكيل، ويعتبره محاولة لإعادة هندسة التمثيل السياسي لحضرموت وإقصاء القوى الجنوبية الفاعلة، وفرض ترتيبات سياسية من خارج إرادة أبناء المحافظة.

وفي هذا السياق، حملت الحشود في المكلا رسالة مضادة، إذ جاءت المشاركة الواسعة من مختلف مناطق حضرموت رغم الإغلاق والإجراءات الأمنية، لتؤكد تمسك قطاع واسع من الشارع الجنوبي بحقه في التعبير عن موقفه ورفض أي ترتيبات تُفرض على المحافظة بعيدًا عن إرادة أهلها.

وتزامنت الفعاليات مع رسالة سياسية واضحة بشأن القوات المسلحة الجنوبية. ففي البيان الصادر عن مليونية الذكرى، جدد المشاركون تمسكهم بالقوات الجنوبية باعتبارها امتدادًا تاريخيًا للجيش الجنوبي، مؤكدين رفض أي مخططات تستهدف تفكيك وحداتها أو إضعافها أو الانتقاص من الانتصارات التي حققتها خلال السنوات الماضية.

وشدد البيان على أن قرار الحرب والسلام يجب أن يظل «قرارًا سياديًا جنوبيًا خالصًا»، وأن القوات المسلحة الجنوبية ستواصل أداء واجبها في الدفاع عن الجنوب أرضًا وشعبًا وقرارًا سياسيًا.

واستعاد البيان ما وصفه بـ«الغدر» الذي تعرضت له القوات الجنوبية مطلع يناير الماضي، واتهم السعودية بتنفيذ عملية عسكرية ضدها عبر أدواتها المحلية، معتبرًا أن تداعيات تلك العملية أضعفت القوات الجنوبية وأسهمت، وفق البيان، في تعزيز حضور الحوثيين والجماعات الإرهابية.

كما رفض البيان ما وصفها بـ«المجالس التنسيقية»، معتبرًا إياها أدوات لإعادة تدوير القوى والأحزاب اليمنية وإعادة فرض نفوذ السعودية على القرار السياسي الجنوبي، مؤكدًا أن الجنوبيين سيواجهون هذه المشاريع سياسيًا وشعبيًا.

وأشاد البيان بالموقف الجماهيري في حضرموت، معتبرًا أن الحشود التي وصلت إلى المكلا رغم الإغلاق والإجراءات الأمنية تمثل رفضًا شعبيًا للمجلس التنسيقي الحضرمي الأعلى ولأي مشروع يسعى إلى انتزاع القرار السياسي من أبناء المحافظة.

وتأتي هذه الرسائل في سياق صراع أوسع حول مستقبل الجنوب، إذ يتهم المجلس الانتقالي السعودية بالسعي إلى إضعاف القوات الجنوبية وتفكيك وحداتها وإعادة إنتاج نفوذ القوى اليمنية داخل المحافظات الجنوبية، بينما يؤكد تمسكه بالقرار السياسي والعسكري الجنوبي وبمشروع استعادة الدولة.

وجدد المشاركون تمسكهم بالبيان السياسي والإعلان الدستوري الصادرين في 2 يناير 2026، واللذين يقدمهما المجلس الانتقالي الجنوبي مسارًا سياسيًا نحو استقلال الجنوب واستعادة دولته على حدود ما قبل عام 1990.

كما أكد البيان استمرار القوات المسلحة الجنوبية في مواجهة التنظيمات الإرهابية إلى جانب الشركاء الإقليميين والدوليين، ووصف الحوثيين بأنهم تهديد مباشر للأمن الإقليمي وحرية الملاحة الدولية، ولا سيما في باب المندب وخليج عدن.

وبينما سعت الإجراءات الأمنية في المكلا إلى تطويق الفعالية ومنع وصول الجماهير إليها، واصلت الحشود القادمة من مختلف مناطق حضرموت التوافد إلى المدينة، لتتحول ذكرى تأسيس الجيش الجنوبي إلى رسالة سياسية وشعبية تتجاوز المناسبة العسكرية.

وفي عدن والمكلا، أكدت المليونية أن القوات المسلحة الجنوبية، بالنسبة إلى جمهورها، ليست تشكيلًا عسكريًا عابرًا أو ورقة قابلة للمساومة، بل أحد أبرز عناوين الحضور الجنوبي ومكتسباته، وأن قرار الجنوب السياسي والعسكري لن يكون، وفق الرسالة التي خرجت بها الفعاليتان، رهينة لأي طرف إقليمي.

وفي المكلا تحديدًا، كشف مشهد الإغلاق والرصاص والاعتقالات أن المعركة في حضرموت لم تعد تقتصر على التمثيل السياسي، بل تمتد إلى الشارع وحق الجنوبيين في التعبير عن موقفهم، وإلى الصراع على من يملك قرار المحافظة والجنوب في المرحلة المقبلة.

ومع ختام مليونية الذكرى الـ55 لتأسيس الجيش الجنوبي، بدت الرسالة الجنوبية أكثر وضوحًا: القوات المسلحة الجنوبية خط أحمر، وحضرموت جزء أصيل من الجنوب، والقرار الجنوبي لن يُنتزع بالإغلاق أو القمع أو صناعة المكونات البديلة.

زر الذهاب إلى الأعلى