#قراءة تحليلية في مضمون مقال الدكتور أحمد الشاعر باسردة «حضرموت.. تنعي مستقبلها»

د. محمود شائف
المجلس الأعلى للتنسيق في حضرموت.. بين حق الخصوصية ووحدة الجغرافيا الجنوبية
أثار الدكتور أحمد الشاعر باسردة، في مقاله «حضرموت.. تنعي مستقبلها»، الذي نشرته صحيفة “الأيام” في عددها الصادر يوم الاثنين 31 أغسطس 2026، جملة من القضايا المهمة التي تستحق النقاش بعيدًا عن الاصطفافات الآنية وحسابات المكونات السياسية. ولعل أهم ما طرحه هو الانتقال من سؤال: من أنشأ «المجلس الأعلى للتنسيق في حضرموت» ومن يقف خلفه؟ إلى سؤال أكثر جوهرية يتعلق بشرعية التمثيل، وإرادة المجتمع الحضرمي، ومكان حضرموت في أي مشروع سياسي قادم.
وأنا هنا أتفق جملة وتفصيلًا مع الكاتب في أن حضرموت ليست محافظة عابرة، وأن ثقلها الجغرافي والاقتصادي والسياسي والتاريخي يجعل منها ركناً أساسياً في مستقبل الجنوب، إلا أن السؤال الموازي هو: كيف نحمي حق حضرموت في اختيار مستقبلها وصون خصوصيتها وحقوقها وثرواتها، من دون أن تتحول هذه الحقوق المشروعة إلى مدخل لعزلها أو سلخها عن جغرافيتها وترابها الجنوبي؟
حضرموت وشرعية التمثيل
أصاب الدكتور باسردة القول بأن حضرموت أكبر من أن يحتكر تمثيلها مجلس أو مؤتمر أو مجموعة أشخاص. فحضرموت، بساحلها وواديها وصحرائها، وبتنوعها الاجتماعي والقبلي والمدني والثقافي والسياسي، لا يمكن اختصار إرادتها في مكوّن واحد، أيًا كانت الأسماء التي تقوده أو الجهات التي تقف خلفه.
كما أن الشرعية السياسية لا تصنعها البيانات والمؤتمرات، ولا يمنحها الدعم الخارجي، وإنما تتشكل من إرادة المجتمع ومن قدرة أي مشروع سياسي على التعبير عن مصالح الناس وتلبية متطلباتهم وتطلعاتهم المشروعة.
ومن ناحية أخرى، فإن حق أبناء حضرموت في التعبير عن تطلعاتهم وتنظيم أنفسهم والمطالبة بحقوقهم أمر لا خلاف عليه. ومن حقهم أن تكون لهم الكلمة الأساسية في إدارة شؤونهم ومواردهم، وأن يرفضوا إعادة إنتاج المركزية التي همشت حقوقهم واستحوذت على القرار والثروة.
وبالتالي، فإن أي مشروع جنوبي لا يعترف بخصوصية حضرموت وثقلها، ولا يمنح أبناءها شراكة حقيقية وضمانات دستورية واضحة، سيظل مشروعًا ناقصًا. ومع ذلك، يبقى هناك فارق جوهري بين تعزيز مكانة ودور حضرموت في إطار المشروع الجنوبي وداخله، وبين تحويل خصوصيتها إلى مشروع يكرّس ويعمّق عزلها عنه.
فالخصوصية والإدارة الواسعة والشراكة في القرار والثروة حقوق مشروعة؛ أما إعادة تعريف موقع حضرموت السياسي والجغرافي خارج محيطها الجنوبي، فهي مسألة تضع أكثر من علامة استفهام ،ومثيره للشكوك .
حقوق حضرموت ومخاطر عزلها عن الجنوب
ينبغي الإشارة هنا إلى ما حذّر منه الدكتور باسردة ضمنًا من خطر تحويل حضرموت إلى «ساحة لتجارب الآخرين أو ورقة في صراعات النفوذ»، وهي مسألة تستحق التوقف أمامها بجدية. فالخطر لا يكمن في تعدد الآراء والمكونات الحضرمية، وهو أمر طبيعي ومشروع، وإنما في احتمال توظيف المطالب الحقوقية المشروعة بوصفها مداخل لمشاريع تتجاوز هذه الحقوق إلى إعادة تشكيل الخريطة السياسية والجيوسياسية للجنوب.
وفي هذا السياق، لا ينبغي أن يقتصر السؤال عند ظهور أي مكوّن سياسي جديد على: من يقوده ومن يدعمه؟ بل ينبغي أن يمتد إلى ما هو أبعد من ذلك: إلى أين يريد أن يأخذ حضرموت؟ وما الموقع الذي يتصوره لها في الخريطة السياسية للمستقبل؟
وتزداد أهمية هذا السؤال برغم كل ذلك حين يقدّم المجلس نفسه طرفًا حضرميًا مستقلًا في أي حوار أو تسوية سياسية قادمة. فالمشكلة ليست في استقلالية الصوت الحضرمي، ولا في حق أبناء حضرموت في الدفاع عن مصالحهم وحقوقهم، وإنما في أن تتحول هذه الصيغة إلى مدخل لإعادة تعريف القضية الجنوبية بوصفها توليفه لمكونات مناطقية وجهوية منفصلة، بدلًا من كونها قضية سياسية جامعة؛ الأمر الذي قد يقود إلى التعامل مع حضرموت كورقة تفاوضية منفصلة عن إطارها الجنوبي، بما يضعف وحدة القضية الجنوبية وموقعها التفاوضي في أي تسوية تفاوضية قادمة.
ويبرز هنا سؤال جوهري: هل المقصود حضرموت قوية بحقوقها وقرارها، وشريكة في بناء دولة جنوبية عادلة، أم حضرموت معزولة عن محيطها، وأكثر عرضة لتنافس المصالح ومشاريع النفوذ والاستقطاب؟
فالهوية الحضرمية، بخصوصيتها التاريخية والثقافية والاجتماعية، ليست نقيضًا للانتماء الجنوبي. وليس مطلوبًا من الحضرمي أن يتخلى عن حضرميته لكي يكون جنوبيًا، كما لا ينبغي أن تتحول هذه الخصوصية إلى ذريعة لفصله عن امتداده الجغرافي والتاريخي. فالدول الحديثة لا تُبنى بمحو الهويات المحلية، وإنما ببناء هوية سياسية جامعة تستوعبها وتحميها وتحترم خصوصياتها.
ومن هذا المنطلق، فإن عزل حضرموت عن هويتها ومحيطها الجنوبي لن يجعلها بالضرورة أكثر قوة، بل قد يفتح أبواباً جديدة للاستقطاب والتدخل وصراع المصالح. ولذلك، فإن حماية حقوق حضرموت لا تكون باقتطاعها من محيطها، وإنما بإعادة صياغة علاقتها بالدولة الجنوبية القادمة على أسس الشراكة والندية والعدالة.
حضرموت شريك في بناء الدولة
وينبغي الإشارة هنا إلى أن مشروع استعادة الدولة الجنوبية لا يعني، كما يحاول البعض تصويره، استعادة نموذج الدولة المركزية السابقة وأخطائها، وإنما تأسيس دولة جديدة بعقد سياسي جديد؛ دولة اتحادية أو فيدرالية عادلة تحفظ وحدة الأرض والسيادة، وتمنح حضرموت وغيرها صلاحيات واسعة في إدارة شؤونها ومواردها، وتضع قواعد دستورية واضحة لتوزيع السلطة والثروة بما يلبي تطلعات حضرموت وأبنائها.
ومن المهم التأكيد هنا أن حضرموت لا ينبغي أن تُدعى إلى مشروع مكتمل سلفاً لكي تلتحق به، وإنما يجب أن تكون شريكًا أصيلًا في صياغته وتحديد مستقبله وشكل الدولة وصلاحيات أقاليمها وتوزيع مواردها ومؤسساتها السيادية.
وهذا يتطلب حوارًا حضرميًا ـ جنوبيًا عقلانيًا واسعًا، لا يقوم على الوصاية أو احتكار التمثيل، ويجيب بوضوح عن قضايا إدارة الثروات، وتوزيع الإيرادات، والتمثيل السياسي، والسلطات المحلية، والضمانات الدستورية.
وهنا اتفق مع ما ذهب إليه الدكتور باسردة من استخلاص ،”أن المشاريع السياسية لا تعيش بالدعاية والبيانات والدعم الخارجي، وإنما بإرادة الناس وشرعيتها الاجتماعية. كما أن وحدة الأوطان أيضًا لا تحميها الشعارات، وإنما العدالة التي تجعل أبناءها متمسكين بها.
فإذا أردنا حضرموت في قلب الجنوب، فعلينا أن نبني جنوبًا يستحق أن تتمسك به حضرموت؛ جنوب يعترف بخصوصيتها، ويصون حقوقها وثرواتها، ويجعل أبناءها شركاء في القرار والسيادة وصناعة المستقبل.
فحضرموت التي نريدها ليست التابعة لأي مركز جديد أو جهة بعينها، ولا تلك المعزولة عن ترابها الجنوبي؛ بل حضرموت القوية بحقوقها، الحرة بإرادتها، والشريكة في بناء دولة جنوبية اتحادية عادلة وضامنه لحقوق كل الجنوبيين.
وتلك، في تقديري، هي المعادلة التي تحمي حضرموت وتحمي الجنوب معًا: حقوق بلا عزل، وخصوصية بلا سلخ عن الجغرافيا، ووحدة تقوم على الشراكة والعدالة، لا على الإلحاق والوصاية.