#خطاب متلفز.. الجنوب العربي.. حيث هبط التاريخ مرتين ومكث

عميد /ركن / فضل علي باعباد
أيها الشعب العظيم.. شعب الجنوب العربي
إلى رجال قواتنا المسلحة الجنوبية الباسلة
إلى مقاومتنا الصامدة في الجبال والوديان والسواحل
إلى الأمتين العربية والإسلامية
وإلى أحرار العالم في كل مكان..
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
لا تذهبوا بعيداً تفتشون عن البدايات في خرائط الغرباء، فالبداية كانت هنا.
في هذه الأرض.. أرض الحضارة التي لا تشيخ، والتاريخ الذي لا يُدفن، وأصل الأمتين الأولى والثانية الذي تُغسل منه البشرية ذاكرتها كلما نسيت.
هنا في ساحل أبين، وعلى مقربة من كريتر، تطل قلعة صيرة شامخة كشاهدة على أول خطوة للإنسان بعد الهبوط.
يقولون إن أبانا آدم عليه السلام هبط إلى “إرم ذات العماد التي لم يُخلق مثلها في البلاد”، المغمورة في ساحل أبين الحاضنه لقلعة صيرة. ومازال بريقها حتى اليوم منارةً للبحارة، كأن السماء تركت مصباحاً في البحر كي لا يضل من بعده أحد. فإذا كان العالم يبحث عن نقطة الصفر، فنقطة الصفر عندنا صخرة عانقت أول قدم بشرية.
وهنا أيضاً، في قلب وادي حضرموت، رست سفينة نوح عليه السلام بين جبلين، واستقرت كلمة “النجاة” في رمالنا. مازالت أجزاء منها ظاهرة، ترفض أن تُطمر، وكأن الطوفان مضى وبقيت العبرة.
زارها المستشرقون، وعرضوها على الهواء من “الجودي الحضرمي”، لا ليثبتوا لنا تاريخنا، بل ليشهدوا هم أن الحقيقة لا يمكن أن تُدفن تحت الرمال.
أيها الأحرار..
هذه الأرض لم تكن فراغاً قط. بل كانت عرش الممالك ومنبع المجد.
هنا قامت _مملكة حضرموت_ وعاصمتها شبوة سيدة البخور واللبان، و_مملكة أوسان_ في سواحل أبين وعدن التي جابت البحار، و_مملكة قتبان_ في بيحان صاحبة السدود والري، و_مملكة حمير_ التي توجت الجنوب بتاج الملك.
من تراب هذه الممالك نُسج أول اقتصاد عالمي، ومن موانئنا انطلقت قوافل البخور إلى روما والهند والصين.
وحضرموت ليست محطة عبور فحسب، بل هي أرض الأنبياء. هنا مرّ صالح، وهنا سكنت عاد وثمود، ومازالت قبورهم وآثارهم شواهد صامتة تنطق بأن هذه التربة قد سُقيت بالوحي قبل المطر.
معظم الأنبياء عبروا هذه الأرض الطاهرة، فصارت أرض الرسالات قبل أن تكون أرض الممالك.
أيها الجنوبيون..
الجنوب العربي ليس سطراً في كتاب، وليس هامشاً في خريطة.
هو المخطوطة الأولى للإنسان. هو التابوت الذي حفظت فيه السماء قصتين: قصة الهبوط لادم عليه السلام وقصة النجاة لنوح عليه السلام. وهو التاج الذي توجت به ممالك _حضرموت وحمير وأوسان وقتبان_ صفحات المجد.
ومن ترابه بدأنا، وعلى مائه نجونا،د وفي جيناته بقيت الأصالة. فما زال أبناء وادي حضرموت والمهرة وشبوة مادة خام لم يعبث بها التمدن.. بكرمهم وشهامتهم ونخوتهم يشهد عليهم الزمن أنهم امتداد حيّ لذلك المجد القديم.
فكيف لأرضٍ شهدت أول سجدة وأول فلك، وسار عليها الأنبياء، وتوجتها أربع ممالك عظمى، أن تكون هامشاً؟
وكيف لشعبٍ سكنه الوحي وصنع التاريخ، ولجيشٍ يحمل اليوم راية الأرض، أن يكون تابعاً؟
نقولها للعالم أجمع:
نحن لسنا امتداداً لأحد، نحن الأصل الذي امتدت منه الحكايات.
نحن أصحاب حق في أرضنا، وأصحاب قرار في مصيرنا.
فارفعوا رؤوسكم يا أبناء الأرض المباركة..
يا رجال القوات المسلحة الجنوبية.. كونوا السور لا السهم، وكونوا الحكمة التي تحمي الحضارة.
وإلى أحرار العالم.. انظروا إلى هذه الأرض، فمن كان مهد البشرية ومهد الملوك، جديرٌ أن يكون صوته مسموعاً، وقراره محترماً، ومستقبله بيده.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.