#الصحافي الجنوبي علي ناجي يرثي: أخي وصديقي محمد.. لن أنساك

الصحافي الجنوبي علي ناجي يرثي: أخي وصديقي محمد.. لن أنساك
رثاء/ علي ناجي
رحيلك يا أخي محمد لم يكن حدثًا عابرًا في حياتي، بل جرحًا عميقًا لن يندمل. فقد كنتَ بالنسبة لي أكثر من أخ، كنت صديقًا ورفيق درب، وظللت حاضرًا في تفاصيل حياتي حتى آخر لحظة.
علاقتي بك مرت بمرحلتين مختلفتين: الأولى غلب عليها الخوف من الأخ الأكبر الذي رسمت الأسرة صورته في نفوسنا، وجعلت حضوره رهبةً وهيبةً تلازمنا كلما عاد إلى البيت في إجازاته القليلة. لم تكن قاسيًا علينا، لكننا كنا نختبئ من حضورك، وكأننا أمام رمزٍ صارم لا يُمس. أما المرحلة الثانية، فقد بددت تلك الصورة، وحوّلت الخوف إلى صداقة صافية، وأخوّة ممزوجة بالودّ، حتى غدونا نتحدث ونتناقش كما يفعل الأصدقاء المقرّبون، رغم فارق السن بيننا.
مع مرور الأيام وتوطد علاقتنا، اكتشفتُ عمق شخصيتك، وعظمة تجربتك، وما حملته من أعباء في مسيرتك العسكرية والسياسية والاجتماعية. كنت دائمًا تؤمن أن ما مررتَ به من صعاب وقسوة لم يكن إلا ضريبة واجبة من أجل مصلحة عليا، هي بناء قوات مسلحة جنوبية قوية قادرة على حماية الوطن في وجه المؤامرات والتهديدات. ورغم قلة الإمكانيات حينها، لم تفقد عزيمتك ولا صلابتك، بل ظللت ثابتًا على المبدأ، مؤمنًا بالقضية، متمسكًا بالأمل.
كنت مدرسة في الأخلاق قبل أن تكون مدرسة في النضال. لم نعرف عنك يومًا تفجيرًا في الخصومة، ولا سمعنا منك إساءة في حق أحد، حتى من أساء إليك. كنت تؤمن أن الخلاف لا يفسد للود قضية، وأن الصلح أقرب إلى الحق وأبقى للعلاقات. ولهذا كنت دائمًا المبادر إلى التصالح، والساعي إلى رأب الصدع، جامعًا لا مفرقًا.
أما في القضايا الوطنية، فقد كنت صلبًا لا تساوم ولا تهادن. مؤمنًا إيمانًا راسخًا بأن الجنوب سيعود دولة مستقلة، وظللت في قلب كل مراحل نضاله، منذ البدايات الأولى وحتى لحظة رحيلك. لم تكن متابعًا فقط للأحداث، بل كنت صانعها، وعرّابها، ومرجعيتها الأولى. حتى في أيام مرضك الأخيرة، كان همّك الأكبر أن تسألني عن أخبار الجنوب، وأن تعرف الجديد في مسيرته، وكأن نبضك لا يكتمل إلا بسماع ما يخصه.
أخي محمد، كنت رمزًا للنزاهة والطهر، زاهدًا في الدنيا، بعيدًا عن مظاهر السلطة والجاه والمال. اكتفيتَ براتبك الزهيد، وعشت راضيًا بما قسم الله لك، تاركًا خلفك سيرة عطرة، وذكرًا نقيًا، وتاريخًا مشرفًا يشهد لك به القريب والبعيد.
نم قرير العين يا أبا أنور، فقد رأينا حصاد ما زرعته في مسيرتك الطويلة يوم رحيلك. كان موكب تشييعك ومجالس العزاء شاهدًة على محبتك في قلوب الناس، وكانت بيانات النعي ورسائل الرثاء انعكاسًا لما تركته من أثر عظيم.
لقد رحلتَ يا أخي وصديقي بجسدك، لكنك باقٍ بيننا بمبادئك، ونزاهتك، وصدقك، وتاريخك المضيء، وروحك الطاهرة التي ستظل تسكننا ما حيينا.
علي ناجي سعيد