هل أصبح استنزاف الجنوب ثمناً للتفاهم مع الحوثي؟

كتب: جميل محمد الشعبي
لم يعد السؤال الذي ينبغي أن يشغل الجنوبيين اليوم هو: من يقف معنا في مواجهة الحوثي؟ بل أصبح السؤال الأكثر إلحاحاً وخطورة: ماذا تريد المملكة العربية السعودية من استمرار هذه الحرب؟ وما الثمن الذي يمكن أن تدفعه مقابل الخروج من مستنقع الصراع اليمني، حتى وإن كان ذلك على حساب أمن الجنوب ومستقبله السياسي والعسكري؟
هناك مؤشرات وتطورات ميدانية وسياسية متلاحقة تستدعي التوقف أمامها بجدية، بعيداً عن المجاملات السياسية، أو الرهان العاطفي على مواقف الحلفاء، أو الاستمرار في تفسير كل ما يحدث باعتباره مجرد أخطاء عابرة في إدارة المعركة.
السعودية تبحث عن مخرج… ولكن على حساب من؟
من الواضح أن المملكة العربية السعودية باتت تبحث عن تسوية تنهي تهديد الحوثيين لأمنها، وتوقف استهداف مطاراتها ومنشآتها الحيوية، وتضع حداً للاستنزاف العسكري والاقتصادي الذي فرضته سنوات الحرب.
وفي هذا السياق، تبرز التحركات السعودية تجاه إيران، وما يثار بشأن الاستعانة بنفوذها للضغط على الحوثيين ووقف الهجمات على الأراضي والمنشآت السعودية، باعتبارها مؤشراً على أن أولوية الرياض أصبحت تأمين حدودها ومنشآتها والخروج من الحرب بأقل الخسائر الممكنة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه هنا: ما المقابل الذي يمكن أن تقدمه السعودية للحوثيين حتى يقبلوا بالعودة إلى تنفيذ خارطة الطريق؟
وهل يمكن أن تكون بعض الملفات اليمنية والجنوبية، بما فيها مستقبل الجنوب وترتيبات السيطرة على موارده ومناطقه الاستراتيجية، جزءاً من أثمان التسوية التي يجري البحث عنها؟
إننا لا نتحدث هنا عن اتفاق معلن أو صفقة مثبتة، وإنما نطرح تساؤلات سياسية خطيرة تفرضها طبيعة التحولات الجارية، وتستوجب إجابات واضحة من الأطراف المعنية.
فمن غير المقبول أن تكون حماية المطارات والمنشآت السعودية أولوية مشروعة، بينما يصبح أمن الجنوب ومستقبله ومستقبل قواته العسكرية أمراً قابلاً للمساومة.
استنزاف القوات الجنوبية… هل هو مجرد تطور ميداني؟
ما يحدث اليوم على الأرض، من تصاعد المواجهات والضغوط العسكرية على الجنوب، يثير مخاوف حقيقية من أن تكون القوات الجنوبية أمام مرحلة جديدة من الاستنزاف، وفي مقدمتها ألوية العمالقة الجنوبية، التي تمثل إحدى أبرز القوى البرية الضاربة في المنظومة العسكرية الجنوبية.
هذه القوات لم تتشكل في يوم وليلة، ولم تصل إلى ما وصلت إليه دون تضحيات جسيمة. فقد دفعت أثماناً باهظة من دماء أبنائها في مواجهة الحوثيين، وأثبتت حضورها في معارك الدفاع عن الجنوب.
ومن هنا، فإن استنزاف هذه القوة، أو إضعاف قدراتها القتالية، لا يمثل خسارة عسكرية عابرة، بل قد يشكل ضربة مباشرة لأحد أهم مرتكزات القوة الدفاعية الجنوبية.
والأخطر أن تتزامن هذه التطورات مع تصاعد الضغوط على الجبهات الجنوبية، واتساع رقعة التهديد باتجاه لحج وعدن، بما يضع القوات الجنوبية أمام معارك استنزاف متواصلة، في الوقت الذي تحتاج فيه إلى إعادة تنظيم صفوفها وتعزيز قدراتها وحماية جبهاتها الاستراتيجية.
وهنا ينبغي على القيادات العسكرية والسياسية الجنوبية أن تطرح الأسئلة الصعبة: من المستفيد من إضعاف هذه القوات؟ ومن يتحمل مسؤولية حماية قدراتها؟ وهل توجد رؤية واضحة لإدارة المعركة، أم أننا نتحرك وفق تطورات يفرضها الآخرون علينا؟
حضرموت والمهرة… بداية التحول في المشهد الجنوبي
لا يمكن قراءة ما يجري اليوم بمعزل عن التطورات التي شهدتها حضرموت والمهرة، وما رافقها من تحولات عسكرية وسياسية، وصولاً إلى دخول قوات الطوارئ اليمنيه، التي تضم تشكيلات شمالية، إلى مناطق استراتيجية في المحافظتين.
لقد أثارت هذه التطورات مخاوف واسعة في الأوساط الجنوبية، خصوصاً في ظل ما تمثله حضرموت والمهرة من أهمية جغرافية واقتصادية واستراتيجية، وما تضمانه من موارد نفطية ومنافذ برية وبحرية.
كما أن الضربات الجوية السعودية التي استهدفت القوات الجنوبية في حضرموت والمهرة خلال يناير الماضي، ، لا يمكن تجاوز آثارها السياسية والعسكرية، ولا الاكتفاء بتبريرها باعتبارها مجرد أحداث ميدانية انتهت بانتهاء المواجهات.
لقد تركت تلك الأحداث جرحاً عميقاً في الثقة، وطرحت تساؤلات جوهرية حول طبيعة الدور السعودي في الجنوب، وحدود الشراكة مع القوات الجنوبية، وما إذا كانت الأولويات السعودية تتطابق فعلاً مع تطلعات الجنوبيين وأمنهم الاستراتيجي.
فإذا كانت تلك التحولات قد أدت إلى إضعاف الوجود العسكري الجنوبي في مناطق استراتيجية، فإن من حق الجنوبيين أن يسألوا: هل كانت هناك رؤية سياسية وعسكرية متكاملة لهذه الترتيبات؟ ومن يضمن ألا تتكرر التجربة في مناطق أخرى؟
لا تراهنوا على الوعود… فالسياسة تحكمها المصالح
من الخطأ السياسي والاستراتيجي أن يستمر بعض القيادات الجنوبية في التعامل مع الموقف السعودي باعتباره موقفاً ثابتاً لا يتغير، أو أن يفترضوا أن المملكة ستظل ملتزمة بالدفاع عن المشروع الجنوبي مهما تغيرت حساباتها الإقليمية.
السياسة لا تعرف العواطف، والتحالفات لا تقوم على النوايا الحسنة وحدها، وإنما تحكمها المصالح والأولويات.
وقد تكون الأولوية السعودية اليوم هي الوصول إلى تفاهم مع الحوثيين يضمن وقف الهجمات وتأمين الحدود والمنشآت الحيوية، حتى لو تطلب ذلك إعادة ترتيب المشهد اليمني وفق معادلات جديدة.
وهنا مكمن الخطر.
فإذا كانت الرياض مستعدة لتقديم تنازلات سياسية من أجل إنهاء تهديد الحوثي، فمن يضمن ألا تكون بعض مصالح الجنوب وحقوقه السياسية والعسكرية ضمن الملفات التي يمكن التضحية بها؟
ومن يضمن ألا يتحول الجنوب إلى ورقة تفاوض، أو إلى مساحة لإعادة توزيع النفوذ بين القوى الإقليمية والمحلية؟
إن أخطر ما يمكن أن يحدث هو أن يستيقظ الجنوبيون ذات يوم ليكتشفوا أن المعركة التي خاضوها بتضحياتهم، والتحالفات التي راهنوا عليها، قد انتهت إلى واقع سياسي وعسكري لا يملكون فيه قرارهم، ولا يستطيعون حماية أرضهم أو تقرير مستقبلهم.
الجنوب ليس ساحة لتصفية الحسابات ولا ورقة للمقايضة
يجب أن يكون واضحاً للجميع أن الجنوب ليس مجرد منطقة جغرافية يمكن إعادة توزيع النفوذ فيها وفق تفاهمات إقليمية، وليس ورقة يمكن استخدامها لشراء الهدوء على جبهات أخرى.
الجنوب قضية سياسية ووطنية لها جذورها وتضحياتها وتطلعات شعبها، ومن حق أبنائه أن يكونوا شركاء حقيقيين في تقرير مستقبلهم، لا مجرد أطراف تنتظر ما تقرره العواصم الإقليمية.
ولذلك، فإن استمرار الرهان على أطراف خارجية دون امتلاك قرار جنوبي مستقل يمثل خطراً استراتيجياً بالغاً.
كما أن الاستمرار في انتظار مواقف الحلفاء، دون مراجعة حساباتنا السياسية والعسكرية، قد يقودنا إلى خسائر يصعب تعويضها.
ما المطلوب اليوم؟
إن المرحلة الراهنة لا تحتمل المجاملات ولا سياسة دفن الرؤوس في الرمال. نحن أمام مفترق طرق يتطلب مراجعة شاملة، تبدأ من تشخيص المشكلة وتنتهي بإعادة بناء القرار السياسي والعسكري الجنوبي على أسس أكثر استقلالاً ووضوحاً.
وأمام القيادات الجنوبية جملة من المسؤوليات العاجلة:
مراجعة التحالفات السياسية: لا بد من تقييم العلاقة مع المملكة العربية السعودية بواقعية وشفافية، بعيداً عن المجاملات، وتحديد طبيعة المصالح المشتركة والاختلافات، والضمانات المطلوبة لحماية الجنوب.
حماية القوات الجنوبية: يجب عدم السماح باستنزاف القوات الجنوبية أو تفكيك وحداتها أو إضعاف قدراتها، مع ضرورة توحيد القرار العسكري وتعزيز التنسيق بين التشكيلات العسكرية الجنوبية.
استعادة القرار السياسي: لا يمكن أن يظل القرار الجنوبي مرتهناً لإرادة الآخرين. المطلوب موقف سياسي موحد يعبر عن تطلعات الشعب ويحمي مصالحه في أي تسوية قادمة.
البحث عن حلفاء جدد: من الضروري توسيع العلاقات الإقليمية والدولية، وبناء شراكات قائمة على المصالح المتبادلة والاحترام، وعدم حصر مستقبل الجنوب في طرف واحد مهما بلغت قوة العلاقة معه.
رفض أي تسوية تنتقص من حقوق الجنوب: يجب أن يكون الموقف واضحاً بأن أي اتفاق يتعلق بمستقبل الجنوب أو أراضيه أو قواته أو موارده، لا يمكن أن يكتسب شرعيته دون مشاركة جنوبية حقيقية وموافقة ممثليه المعنيين.
مصارحة الشعب: على القيادات أن تضع المواطنين أمام حقيقة الأوضاع والتحديات، وأن تتوقف عن تقديم الوعود التي لا تستند إلى ضمانات فعلية.
لسنا متشائمين… ولكننا نرفض أن ندفع ثمن أخطاء الآخرين
لسنا متشائمين حين نطرح هذه الأسئلة، ولسنا دعاة خصومة مع أحد، ولكننا نرفض أن تتحول الثقة السياسية إلى غطاء يمنعنا من رؤية المخاطر، أو أن تصبح المجاملة على حساب دماء أبنائنا ومستقبل أجيالنا.
إن فهم المشكلة هو أول خطوات تصحيح المسار، ومراجعة المواقف ليست ضعفاً، بل مسؤولية وطنية تفرضها خطورة المرحلة.
لقد دفع الجنوب ثمناً باهظاً من دماء أبنائه، ولا يجوز أن يستمر هذا النزيف دون مراجعة حقيقية للخطط والتحالفات والأهداف.
كل يوم يمر، ويسقط فيه الشهداء والجرحى، يجب أن يكون مناسبة لمراجعة الأداء العسكري والسياسي، وتقييم جدوى الخيارات المتبعة، لا مناسبة لتكرار الأخطاء نفسها.
فإلى متى نظل نراهن على الآخرين بينما تتآكل أوراق قوتنا؟ وإلى متى ننتظر أن تتضح الحقائق بعد أن ندفع أثماناً لا يمكن تعويضها؟
إن التأخر في إدراك التحولات السياسية والعسكرية قد يجعل تكلفة التصحيح باهظة، وربما يضع الجنوب أمام واقع يصعب الخروج منه.
كلمة أخيرة:
على القيادات الجنوبية أن تدرك أن معركة الدفاع عن الجنوب لا تبدأ من الجبهات وحدها، بل تبدأ أيضاً من امتلاك القرار، وحماية القوات، وبناء التحالفات المتوازنة، ورفض تحويل التضحيات الجنوبية إلى أوراق تفاوض في صراعات الآخرين.
نحن صامدون، وسندافع عن أرضنا وحقوقنا ومستقبل أجيالنا، ولن نتخلى عن قضيتنا مهما بلغت التحديات.
لكن الصمود وحده لا يكفي؛ فلا بد من رؤية استراتيجية، وقيادة تمتلك الشجاعة لاتخاذ القرار، وتعرف متى تتحالف، ومتى تراجع حساباتها، ومتى تقول لحلفائها إن للجنوب خطوطاً حمراء لا يمكن تجاوزها.
الدفاع عن الجنوب واجب وطني مقدس، والتفريط بقرار الجنوب ومستقبله خط أحمر.
الرحمة للشهداء، والشفاء العاجل للجرحى، والنصر للجنوب وأبنائه.