عودة الإمارات إلى اليمن تصطدم بعقدة سعودية.. لماذا لا تبدو الرياض مستعدة لتقديم تنازلات؟

النقابي الجنوبي/رصد ومتابعة
تواجه مساعي إعادة توسيع الدور الإماراتي في اليمن عقبة سياسية تتمثل في الخلاف مع السعودية بشأن مستقبل الجنوب وموقع القوى الجنوبية في أي تسوية مقبلة. وترى مجلة ”فورين بوليسي“ الأميركية أن استعادة التنسيق بين الرياض وأبوظبي قد تعزز قدرات القوى المناهضة للحوثيين، لكن التباينات حول شكل الدولة اليمنية وحدود النفوذ السياسي والعسكري في الجنوب لا تزال تعرقل التقارب بين البلدين.
وفي تقرير نشرته الخميس 29 أكتوبر 2026، عرضت المجلة حسابات السعودية والإمارات في اليمن، في وقت تواجه فيه الرياض صعوبات في تنظيم القوات المناهضة للحوثيين بعد انسحاب الإمارات وتصاعد الخلافات بين حلفاء الطرفين.
ونقلت المجلة عن أبريل لونغلي آلي، الباحثة البارزة في معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى والمتخصصة في شؤون اليمن والخليج، أن التقارب السعودي الإماراتي قد يغير مسار المواجهة مع الحوثيين، إذا أتاح الاستفادة من القدرات العسكرية الإماراتية وعلاقات أبوظبي بالقوى المحلية، خصوصًا في جنوب اليمن وعلى ساحل البحر الأحمر.
لكن آلي رأت أن تجاوز الخلافات بين البلدين لن يكون سهلًا، في ظل التباينات المتراكمة بشأن مستقبل اليمن والتنافس الإقليمي والخلافات حول ملفات أخرى، بينها السودان.
مستقبل الجنوب في صلب الخلاف
يضع التقرير مطالب المجلس الانتقالي الجنوبي في صلب التباينات السعودية الإماراتية. فالمجلس، الذي تربطه علاقات وثيقة بأبوظبي، يسعى إلى استعادة دولة الجنوب التي كانت قائمة قبل الوحدة اليمنية عام 1990، بينما تعارض الرياض مشروع استقلال الجنوب وتتمسك ببقاء اليمن موحدًا.
وبحسب آلي، تريد الإمارات ضمان تمثيل مطالب حلفائها الجنوبيين بوضوح في أي تسوية سياسية مقبلة. ويعني ذلك أن عودة أبوظبي إلى دور أوسع قد تعيد طرح موقع المجلس الانتقالي والقوى الجنوبية في ترتيبات الحكم، وهي مسألة لم يتوصل الطرفان إلى تفاهم بشأنها.
ولا يقتصر الخلاف على مستقبل الجنوب، إذ يشير التقرير إلى تحفظات إماراتية على الدور المحتمل لحزب الإصلاح، بسبب ارتباطه بتيار الإخوان المسلمين الذي تعارضه أبوظبي.
وتكشف هذه التباينات أن المصالحة السعودية الإماراتية تتجاوز التنسيق العسكري، وتمتد إلى تحديد القوى التي ستشارك في إدارة المناطق الخاضعة للحكومة المعترف بها دوليًا، وطبيعة السلطة التي ستمثل اليمن في أي مفاوضات سياسية مقبلة.
تصعيد ديسمبر 2025 غيّر معادلة التحالف
يستعرض التقرير التطورات التي عمّقت الخلاف بين الرياض وأبوظبي، مشيرًا إلى تحركات قوات المجلس الانتقالي الجنوبي في ديسمبر 2025 وسيطرتها على مناطق في محافظتي حضرموت والمهرة.
واعتبرت السعودية تلك التحركات تهديدًا لأمنها القومي، ودعمت قوات شمالية موالية للحكومة اليمنية، درّبتها وسلّحتها على الحدود السعودية، لاستعادة المناطق التي سيطر عليها المجلس الانتقالي الجنوبي. كما قصفت السعودية شحنة أسلحة إماراتية متجهة إلى اليمن أواخر ديسمبر من العام نفسه، في تصعيد كشف حدة الخلاف بين الرياض وأبوظبي، قبل انسحاب القوات الإماراتية من اليمن.
وأعقب ذلك تحرك سعودي لإعادة تنظيم القوات المناهضة للحوثيين، لكن الرياض واجهت صعوبة في توحيد الفصائل التي تختلف في ولاءاتها وحساباتها السياسية.
وتبرز هنا إحدى المعضلات الرئيسية التي يناقشها التقرير، إذ لا تتفق القوى المناهضة للحوثيين على رؤية سياسية واحدة، كما أن الفصائل الجنوبية تربط مشاركتها العسكرية بمستقبل الجنوب وموقع قضيته في أي تسوية مقبلة.
فراغ في القدرات والردع
ينقل التقرير عن عمرو البيض، أحد مسؤولي المجلس الانتقالي الجنوبي، قوله إن مغادرة الإمارات خلّفت فراغًا كبيرًا في الردع وإدارة الوضع، خصوصًا في القدرات العملياتية للقوات الموجودة على الأرض.
وأشار البيض إلى أن الإمارات اضطلعت بأدوار في دعم القوات المحلية ومكافحة الإرهاب ومواجهة الحوثيين، إلى جانب أنشطة أخرى في مناطق الجنوب.
ولا تزال طبيعة أي عودة إماراتية محتملة غير محسومة، وفق البيض، الذي تساءل عما إذا كان الدور سيقتصر على التمويل أم سيشمل حضورًا أوسع. ويرى أن العودة الإماراتية المباشرة ستساعد في جوانب سياسية وعسكرية عدة.
ويشير التقرير إلى تقارير تحدثت عن موافقة الإمارات على استئناف تمويل قوات في جنوب اليمن عقب محادثات سعودية إماراتية. كما يذكر اجتماعًا جمع وزير الدفاع السعودي خالد بن سلمان والرئيس الإماراتي محمد بن زايد في أبوظبي يوم 18 أكتوبر 2026، لكنه يؤكد أن تفاصيل التفاهمات ومدى تنفيذها لا تزال غير واضحة.
المجلس الانتقالي يربط مشاركته بمستقبل الجنوب
يعرض التقرير موقف المجلس الانتقالي من أي تحرك عسكري جديد ضد الحوثيين، مشيرًا إلى أن المجلس أبدى استعداده للدفاع عن مناطق الجنوب، لكنه لا يريد توسيع عملياته خارج حدود دولة الجنوب السابقة قبل إحراز تقدم بشأن مطلبه بإجراء استفتاء على الاستقلال.
ويعكس هذا الموقف اختلافًا في الأولويات بين القوى المناهضة للحوثيين. فبينما تسعى السعودية إلى تنظيم هذه القوى ضمن جبهة قادرة على مواجهة الحوثيين، يربط المجلس الانتقالي مشاركته العسكرية بمسألة مستقبل الجنوب وموقع قضيته في التسوية السياسية.
ونقل التقرير عن البيض تأكيده أن الأولوية بالنسبة إلى المجلس تتمثل في الدفاع عن مناطقه والجنوب، وهو ما يجعل أي ترتيبات عسكرية مشتركة مرتبطة أيضًا بالتفاهم على نطاق العمليات وأهدافها السياسية.
لماذا لا تقدم الرياض تنازلات كبيرة؟
في النقطة المحورية بالتقرير، تقول آلي إن السعودية لا تبدو مستعدة حتى الآن لتقديم تنازل سياسي كبير يسمح بعودة الإمارات إلى دور أوسع في اليمن.
ويعني هذا التقدير أن الخلاف لا يتعلق فقط بإعادة التمويل أو استئناف التعاون الأمني، بل يمتد إلى الشروط السياسية التي ستحدد مستقبل القوى الجنوبية، وحدود نفوذها، وطبيعة الدولة التي ستنبثق عن أي تسوية.
ومع ذلك، لا ينقل التقرير قرارًا سعوديًا رسميًا برفض تنازلات محددة، ولا يحدد قائمة مطالب إماراتية رفضتها الرياض. بل يعرض قراءة الباحثة لموقف السعودية، مع الإشارة إلى احتمال تغير الحسابات إذا تصاعدت المخاطر الأمنية أو تدهور الوضع الميداني.
وتتمثل المعضلة أمام الرياض في أن استعادة التعاون مع أبوظبي قد تساعد على معالجة فجوات عسكرية وتنظيمية داخل المعسكر المناهض للحوثيين، لكنها قد تتطلب تفاهمات سياسية لا تنسجم بالضرورة مع موقف السعودية من وحدة اليمن.
وفي المقابل، قد يؤدي استمرار التباعد إلى إبقاء الانقسامات داخل هذه القوى، وإضعاف فرص بناء قيادة موحدة قادرة على تنسيق عملياتها.
ويكشف التقرير أن عودة الإمارات إلى دور أوسع لا تتوقف على التفاهمات العسكرية وحدها، بل ترتبط بموقف الرياض من مطالب المجلس الانتقالي الجنوبي ومستقبل الجنوب السياسي. وبينما تسعى السعودية إلى إعادة تنظيم القوى المناهضة للحوثيين وفق رؤيتها لوحدة اليمن، تتمسك القوى الجنوبية بمطالبها السياسية، ما يجعل مستقبل الجنوب أحد أبرز ملفات الخلاف التي تعترض إعادة ترتيب التحالفات.
المصدر: مجلة فورين بوليسي، 29 أكتوبر 2026
رابط المصدر:
Is the UAE the Missing Link in the Fight Against the Houthis?