اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

مشروع الوحدة التي ولدت بلا ضمانات ولا مقومات.. قوى الشمال تصطدم بإرادة ورفض شعب الجنوب، وحده على الورق وواقع مختلف على الارض

لم تعد قضية الوحدة اليمنية مجرّد خلاف سياسي حول شكل الدولة أو طبيعة النظام الذي ينبغي أن يحكم البلاد، بل تحوّلت، في نظر قطاعات واسعة من الشارع الجنوبي، إلى قضية ترتبط بالهوية والحقوق والتمثيل السياسي ومستقبل الأرض والإنسان. وبينما لا تزال قوى سياسية في الشمال تتمسك بخطاب الوحدة باعتباره إطارًا للحفاظ على الدولة اليمنية، تتصاعد في الجنوب أصوات ترى أن هذا المشروع فقد كثيرًا من مقوماته، وأن الإصرار على استمراره بالصيغ ذاتها يتجاهل التحولات السياسية والاجتماعية التي شهدتها البلاد خلال العقود الماضية.
ومن هنا، يبرز السؤال الأكثر إلحاحًا في المشهد اليمني: هل لا يزال مشروع الوحدة قادرًا على الصمود أمام واقع الانقسام وتراكم الخلافات، أم أن التمسك به من دون معالجة جذور الأزمة بات يعمّق الفجوة بين الشمال والجنوب، ويجعل الحديث عن مستقبل العلاقة بين الطرفين أكثر تعقيدًا من أي وقت مضى؟
وحدة على الورق وواقع مختلف على الأرض
منذ إعلان الوحدة اليمنية في 22 مايو 1990، ارتبط المشروع بآمال واسعة في بناء دولة تقوم على المواطنة المتساوية والشراكة السياسية وتكافؤ الفرص، وتطوي صفحة الانقسام بين شطري البلاد. غير أن مسار التجربة لم يسر وفق التطلعات التي رافقت بدايتها، إذ سرعان ما ظهرت خلافات سياسية عميقة بين شركاء الوحدة، بلغت ذروتها مع اندلاع حرب صيف 1994، التي شكّلت محطة مفصلية في تاريخ العلاقة بين الشمال والجنوب.
ومنذ ذلك الحين، ظلّت آثار الحرب حاضرة في النقاشات المتعلقة بمستقبل الوحدة، خصوصًا مع تصاعد شكاوى قطاعات جنوبية من التهميش والإقصاء وضعف الشراكة في مؤسسات الدولة، فضلًا عن الخلافات المرتبطة بالأرض والوظيفة العامة والتمثيل السياسي وإدارة الموارد.
ويرى منتقدون للتجربة أن المشكلة لم تكن في مجرد إعلان الوحدة، بل في الطريقة التي أُديرت بها الدولة بعد قيامها، وفي ما يعتبرونه اختلالًا في موازين السلطة والثروة، الأمر الذي أضعف الثقة بين الطرفين، وأعاد طرح سؤال الشراكة من أساسه.
وفي المقابل، تتمسك قوى يمنية بوحدة البلاد، معتبرة أن معالجة الاختلالات ينبغي أن تتم عبر إصلاح النظام السياسي وتوسيع المشاركة وضمان الحقوق، لا من خلال إنهاء الوحدة أو تفكيك الدولة.
وبين هذين الموقفين، تتواصل الأزمة دون تسوية تحظى بقبول واسع، فيما يزداد الانقسام حول تعريف الوحدة نفسها: هل هي مجرد حدود جغرافية وعنوان دستوري، أم عقد سياسي واجتماعي لا يمكن أن يستمر من دون الرضا والشراكة والعدالة؟
لماذا تتراجع قدرة خطاب الوحدة على الإقناع في الجنوب؟
في الشارع الجنوبي، لا تُقاس مسألة الوحدة بالشعارات السياسية وحدها، بل بما يلمسه المواطن في حياته اليومية، وبمدى شعوره بأن حقوقه مصونة وأن صوته مؤثر في القرار السياسي، وأن الثروات والمؤسسات العامة تُدار على أساس من العدالة والمساواة.
وتذهب قطاعات من الحراك الجنوبي والقوى المطالبة باستعادة دولة الجنوب إلى أن التجربة التي أعقبت حرب 1994 أفرزت واقعًا لا يعكس، من وجهة نظرها، الشراكة التي قامت عليها الوحدة، وأن استمرار المشكلات السياسية والاقتصادية والخدمية أسهم في اتساع الهوة بين هذه القوى وبين دعاة الإبقاء على الدولة الموحدة.
وبالنسبة إلى هذه الأصوات، لم يعد الدفاع عن الوحدة كافيًا بحد ذاته ما لم يقترن بضمانات ملموسة تعالج المظالم المتراكمة، وتؤسس لعلاقة سياسية جديدة تحترم خصوصية الجنوب وتمنحه دورًا حقيقيًا في تحديد مستقبله.
كما أن الحروب المتعاقبة، وتراجع مؤسسات الدولة، وتعدد مراكز النفوذ، والانهيار الاقتصادي والخدمي، كلها عوامل زادت من صعوبة إقناع المواطنين بجدوى أي مشروع سياسي لا يقدّم حلولًا عملية للأزمات التي يواجهونها.
ومع ذلك، لا يمكن اختزال المجتمع الجنوبي في موقف سياسي واحد؛ فهناك قوى وشخصيات ومكونات تتباين رؤاها بشأن الاستقلال، والفيدرالية، وشكل الدولة، وشروط أي تسوية مستقبلية. لكن الثابت أن القضية الجنوبية باتت عنصرًا محوريًا في أي نقاش جاد حول مستقبل اليمن، وأن تجاوزها أو التعامل معها باعتبارها مسألة ثانوية لا يقدّم حلًا مستدامًا للأزمة.
قوى الشمال أمام اختبار الاعتراف بالواقع
في المقابل، تواجه القوى السياسية اليمنية التي تتمسك بالوحدة تحديًا يتجاوز الدفاع عن المبدأ إلى ضرورة تقديم إجابات واضحة عن أسباب تعثر التجربة، ومطالب الجنوبيين، والضمانات التي يمكن أن تمنع تكرار الاختلالات السابقة.
فمجرد رفع شعار الوحدة لا يحسم الخلاف بشأن شكل الدولة، ولا يبدد المخاوف المرتبطة بتوزيع السلطة والثروة، ولا يعيد بناء الثقة التي تضررت بفعل الحروب والصراعات السياسية. كما أن التعامل مع المطالب الجنوبية باعتبارها موقفًا عابرًا أو مجرد ورقة تفاوضية قد يوسّع مساحة التباعد بدلًا من فتح الطريق أمام تسوية قابلة للحياة.
وتحتاج أي مقاربة سياسية جادة إلى التمييز بين التمسك بمبدأ وحدة البلاد من جهة، وبين الدفاع عن تجربة سياسية محددة بكل ما رافقها من إخفاقات واختلالات من جهة أخرى. فالمفاهيم السياسية لا تكتسب شرعيتها الدائمة من النصوص وحدها، بل تتأثر أيضًا بقدرة المؤسسات على تحقيق العدالة وحماية الحقوق وتوفير فرص متكافئة للمواطنين.
وفي هذا السياق، يرى منتقدو أداء بعض القوى الشمالية أن الإصرار على استعادة الصيغة القديمة للدولة، من دون مراجعة نقدية لما حدث منذ عام 1990، لا ينسجم مع حجم التحولات التي شهدها الجنوب، ولا مع تعقيدات الواقع اليمني الراهن.
أما القوى المؤيدة للوحدة، فتؤكد أن الانفصال قد يفتح بدوره ملفات شائكة تتعلق بالحدود والموارد والتمثيل والأمن والاعتراف الدولي، وأن أي تغيير جذري في شكل الدولة يحتاج إلى مسار سياسي واضح يراعي مصالح السكان ويحدّ من مخاطر الصراع.
وبين الرؤيتين، يبقى التحدي الحقيقي هو الانتقال من تبادل الاتهامات إلى نقاش جاد حول الحقوق والخيارات السياسية والضمانات التي يمكن أن تجعل أي تسوية مقبولة وقابلة للتنفيذ.
هل وُلد مشروع الوحدة بلا مقومات؟
إن وصف مشروع الوحدة بأنه «وُلد ميتًا» يعكس حكمًا سياسيًا يتبناه منتقدون للتجربة، استنادًا إلى ما يعتبرونه اختلالات بنيوية ظهرت مبكرًا، ثم تعمقت بعد حرب 1994. غير أن قراءة تاريخية أكثر دقة تقتضي التمييز بين فكرة الوحدة بوصفها مشروعًا سياسيًا، وبين طريقة تنفيذها وإدارة الدولة التي نشأت عنها.
فالوحدة عند إعلانها عام 1990 جاءت نتيجة اتفاق سياسي بين قيادتي شطري اليمن، وحملت في بدايتها تطلعات إلى الاندماج وبناء مؤسسات مشتركة. لكن الحرب التي اندلعت بعد أربع سنوات، وما أعقبها من صراعات وخلافات، أظهرت أن الاتفاق على الإطار الدستوري لم يكن كافيًا لضمان استقرار العلاقة بين الطرفين.
ومن هنا، يرى معارضو الصيغة القائمة أن المشروع أخفق في بناء أسس راسخة للشراكة، وأنه لم ينجح في معالجة التباينات التاريخية والسياسية بصورة تمنع تحول الخلاف إلى صراع مفتوح.
في المقابل، يرى آخرون أن إخفاق التجربة لا يعني بالضرورة استحالة بناء صيغة جديدة للعلاقة بين اليمنيين، شريطة أن تستند إلى التوافق الحقيقي، وتوزيع عادل للسلطة، وضمانات دستورية قابلة للتطبيق، وآليات واضحة لحل النزاعات.
لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن أي مشروع سياسي يفقد جزءًا مهمًا من قدرته على الاستمرار عندما تتسع الفجوة بين المبادئ المعلنة والممارسات على الأرض. ولذلك، فإن استعادة الثقة لا تتحقق بتكرار الشعارات، بل بمراجعة التجربة، والاعتراف بالأخطاء، والاستجابة لمطالب المواطنين ضمن مسار سياسي واضح.
الإرادة الشعبية ومشكلة التمثيل
تحتل مسألة الإرادة الشعبية موقعًا مركزيًا في الجدل الدائر حول مستقبل الجنوب. فالقوى المطالبة باستعادة دولة الجنوب تستند إلى ما تصفه بالحضور الشعبي للقضية الجنوبية، وإلى سنوات من التعبئة السياسية والاحتجاجات والمطالب المتعلقة بالهوية والحقوق وتقرير المصير.
غير أن تحديد الموقف الشعبي بصورة دقيقة يتطلب أدوات تمثيل موثوقة، وعمليات سياسية شفافة، ومساحة تتيح للمواطنين التعبير عن آرائهم بحرية، بعيدًا عن الضغوط أو التخوين أو احتكار الحديث باسم المجتمع.
فلا يكفي أن تعلن أي جهة سياسية أنها تمثل جميع أبناء الجنوب، كما لا يصح افتراض أن التمسك بالوحدة يعكس بالضرورة موقف جميع أبناء الشمال. فالمجتمعات ليست كتلًا متجانسة، والمواقف السياسية تتأثر بالخبرة التاريخية والمصالح والظروف الاقتصادية والاجتماعية وتصورات المواطنين لمستقبلهم.
ومع ذلك، فإن استمرار القضية الجنوبية في صدارة النقاش العام، وتعدد القوى التي ترفع مطالب مختلفة بشأن مستقبلها، يؤكدان أن التعامل معها يحتاج إلى مقاربة تتجاوز الإنكار أو الاختزال، وتمنح السكان مساحة حقيقية للمشاركة في تقرير شكل العلاقة السياسية التي تحكمهم.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية أي حوار جاد يحدد الأطراف المشاركة، وآليات التمثيل، والخيارات المطروحة، والضمانات التي تحمي الحقوق، فضلًا عن كيفية التعبير عن الإرادة الشعبية بصورة سلمية وشفافة.
الانقسام اليمني يعقّد المشهد
لا تنفصل قضية الجنوب عن الأزمة اليمنية الأوسع، التي شهدت منذ عام 2014 تصاعدًا للصراع وتراجعًا في مؤسسات الدولة وتعددًا لمراكز السيطرة والنفوذ. كما أسهمت الحرب والتدخلات الإقليمية والأوضاع الاقتصادية المتدهورة في زيادة تعقيد أي محاولة لإعادة بناء إطار سياسي موحد.
وفي ظل هذا الواقع، لم يعد النقاش مقتصرًا على العلاقة بين الشمال والجنوب، بل امتد إلى طبيعة الدولة ومصادر شرعيتها، ومستقبل المؤسسات العسكرية والأمنية، وإدارة الموارد، وشكل النظام السياسي، وضمانات عدم عودة الصراع.
وتكشف هذه الملفات أن أي تسوية تتجاهل القضية الجنوبية ستواجه صعوبات كبيرة في اكتساب قبول واسع، كما أن أي مشروع لتغيير شكل الدولة من دون معالجة القضايا الأمنية والاقتصادية والاجتماعية قد يفتح بدوره تحديات جديدة.
ومن ثم، فإن مستقبل اليمن لا يتوقف على قدرة طرف سياسي على فرض روايته، بل على إمكانية التوصل إلى ترتيبات تستند إلى تفاهمات واضحة، وتحترم حقوق السكان، وتقلل احتمالات العنف، وتضع أسسًا قابلة للاستمرار لإدارة الخلافات.
ما الذي ينتظر مشروع الوحدة؟
أمام هذا المشهد، تبدو الخيارات السياسية متعددة، بدءًا من محاولة إعادة بناء دولة اتحادية بضمانات أوسع لتوزيع السلطة، مرورًا بصيغ أخرى للشراكة السياسية، وصولًا إلى المطالب المتعلقة باستعادة دولة الجنوب عبر مسار سياسي يحظى بقبول شعبي ويعالج القضايا القانونية والأمنية والاقتصادية المترتبة عليه.
ولا يمكن حسم هذه الخيارات بمجرد إطلاق الأحكام أو تبادل الشعارات، كما لا يمكن افتراض أن أحدها سيحظى تلقائيًا بقبول جميع الأطراف. فكل مسار يحتاج إلى حوار واضح بشأن حدوده وضماناته وتبعاته، وإلى مشاركة فعلية للمواطنين المعنيين به.
لكن المؤكد أن استمرار الأزمة من دون معالجة جذورها يترك المجال مفتوحًا أمام مزيد من التوتر، ويجعل استعادة الثقة أكثر صعوبة. كما أن أي محاولة لفرض صيغة سياسية بالقوة أو تجاهل المطالب الأساسية للأطراف المعنية قد تؤدي إلى تعميق الانقسام بدلًا من إنهائه.
الخلاصة: لا شرعية مستدامة بلا شراكة
في نهاية المطاف، لم يعد السؤال المتعلق بالوحدة اليمنية مجرد سؤال عن بقاء حدود دولة رُسمت باتفاق سياسي، بل أصبح سؤالًا عن طبيعة العلاقة التي يريدها المواطنون، وعن مدى قدرة أي مشروع سياسي على توفير العدالة والمشاركة والأمن والاستقرار.
وبالنسبة إلى منتقدي تجربة الوحدة، فإن ما جرى منذ عام 1990، ولا سيما تداعيات حرب 1994، يمثل دليلًا على أن الصيغة التي قامت عليها الدولة لم تنجح في بناء شراكة مستدامة، وأن الإصرار على إعادتها من دون مراجعة جذرية يتجاهل أسباب الأزمة.
وأن مستقبل الدولة ينبغي أن يُناقش بعيدًا عن منطق الإقصاء أو فرض الأمر الواقع.
وبين هذين الموقفين، تبقى الحقيقة السياسية الأهم أن الشعارات وحدها لا تصنع دولة مستقرة، وأن أي صيغة للحكم تحتاج إلى قبول سياسي واجتماعي، ومؤسسات قادرة على حماية الحقوق، وآليات تتيح حل الخلافات بطرق سلمية.
فإذا كان مشروع الوحدة قد واجه أزمة عميقة في الثقة والشراكة، فإن تجاوزها لا يكون بتجاهل مطالب الجنوب، ولا بافتراض أن مستقبل البلاد يمكن أن يُحسم بإرادة طرف واحد. بل يبدأ بالاعتراف بتعقيدات الواقع، وإتاحة المجال أمام حوار حقيقي، وضمان أن يكون صوت المواطنين جزءًا أساسيًا من أي قرار يتعلق بمستقبلهم.
وهكذا، فإن الجدل حول وحدة اليمن لم يعد خلافًا على شعار سياسي بقدر ما أصبح اختبارًا لقدرة القوى المختلفة على الانتقال من صراع الروايات إلى معالجة جذور الأزمة. أما المستقبل، فسيظل مرتبطًا بمدى احترام الإرادة الشعبية، والقدرة على بناء تسوية واضحة وعادلة، تضع حدًا لدورات الصراع وتفتح الطريق أمام استقرار يستند إلى الحقوق والتوافق، لا إلى الإكراه أو الإنكار.

زر الذهاب إلى الأعلى