الصبيحة.. تضحيات جنوبية على أسوار الجنوب ومعركة لم تنتهي

النقابي الجنوبي/متابعات
على تخوم الجنوب، حيث تتقاطع الجغرافيا مع ذاكرة طويلة من الصراعات والتوترات، تبرز الصبيحة بوصفها واحدة من المناطق التي ارتبط اسمها بالتضحيات والدفاع عن الأرض. وعلى امتداد السنوات الماضية، دفعت المنطقة ثمناً بشرياً كبيراً في مختلف مراحل الصراع اليمني، لتصبح خطوطها الأمامية شاهدة على حضور أبنائها في مواجهة المخاطر التي طالت مناطق الجنوب.
لم تكن الصبيحة مجرد منطقة جغرافية تقع على أحد أهم الممرات المؤدية إلى عدن والجنوب، بل تحولت بحكم موقعها إلى مساحة تماس مفتوحة، تتداخل فيها الاعتبارات العسكرية والأمنية والسياسية. وفي كل مرة تتصاعد فيها المواجهات، يجد أبناء المنطقة أنفسهم في قلب الأحداث، بين واجب حماية مناطقهم وبين تداعيات صراع أوسع يتجاوز حدود الجغرافيا المحلية.
وتكتسب الصبيحة أهمية خاصة من موقعها الاستراتيجي، فهي تقع بالقرب من باب المندب والساحل الغربي، وعلى خطوط اتصال حيوية بين محافظات الجنوب والمناطق الغربية. ولذلك ظلت المنطقة حاضرة في الحسابات العسكرية والأمنية، سواء خلال المواجهات مع جماعة الحوثيين أو في مراحل الصراع الأخرى التي شهدتها البلاد.
وقدّم أبناء الصبيحة، شأنهم شأن مقاتلين من مناطق جنوبية مختلفة، تضحيات كبيرة خلال سنوات الحرب. وسقط قتلى وجرحى في معارك متعددة، فيما تحولت أسماء كثير من أبناء المنطقة إلى جزء من ذاكرة مجتمعاتهم المحلية. وبينما تختلف الروايات السياسية حول طبيعة الصراع وأطرافه، تبقى التضحيات البشرية واقعاً ملموساً عاشته الأسر والقرى والمجتمعات بصورة مباشرة.
ولا يمكن قراءة هذه التضحيات بمعزل عن الظروف التي نشأت فيها. فسنوات الحرب دفعت آلاف الشباب إلى ساحات القتال، في ظل انهيار مؤسسات الدولة وتعدد القوى المسلحة وتداخل الملفات المحلية والإقليمية. وفي مثل هذه البيئة، أصبحت مناطق الجنوب، ومن بينها الصبيحة، تتحمل أعباء أمنية وعسكرية تفوق إمكاناتها، فيما بقيت قضية بناء مؤسسات أمنية وعسكرية موحدة إحدى أكثر القضايا تعقيداً.
وفي الذاكرة الشعبية للصبيحة، لا تُقاس التضحيات بالأرقام وحدها؛ فخلف كل قتيل أسرة فقدت أحد أبنائها، وخلف كل جريح قصة طويلة من المعاناة، وخلف كل مقاتل عاد من الجبهات آثار نفسية واجتماعية واقتصادية للحرب. ومن هنا، فإن الحديث عن دور الصبيحة لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد خطاب تعبوي، بل يجب أن يقترن بالحديث عن حقوق أسر الضحايا ورعاية الجرحى وتحسين أوضاع المجتمعات التي تحملت أعباء الحرب.
كما أن استمرار التوترات الأمنية في المناطق الجنوبية يطرح سؤالاً أوسع حول مستقبل هذه المناطق، وحول الحاجة إلى معالجة جذور الصراع بدلاً من الاكتفاء بإدارة نتائجه. فالمجتمعات التي دفعت ثمناً كبيراً للحرب تحتاج إلى الاستقرار والخدمات وفرص العمل، بقدر حاجتها إلى ترتيبات أمنية واضحة تضمن حماية السكان وتمنع عودة العنف.
وتظل الصبيحة، بحكم موقعها وتاريخها القريب، جزءاً أساسياً من المشهد الأمني والسياسي في الجنوب. لكن تحويل هذا الدور إلى عنصر دائم في الصراع ليس بالضرورة حلاً لمشكلات المنطقة. فالتضحيات التي قدمها أبناؤها تفرض، قبل أي شيء، مسؤولية حماية المدنيين، وتعزيز الاستقرار، وفتح الطريق أمام حلول سياسية تعالج أسباب النزاع وتضع حداً لدورات العنف المتكررة.
إن أسوار الجنوب لم تكن في يوم من الأيام مجرد خطوط على الخريطة؛ إنها مناطق يعيش فيها الناس، وتتشكل فيها قصص الأسر والقبائل والمجتمعات. والصبيحة واحدة من تلك المناطق التي دفعت ثمناً باهظاً خلال سنوات الحرب. ولذلك فإن استحضار تضحيات أبنائها يجب أن يكون مناسبة للتأكيد على قيمة الحياة والاستقرار، لا دعوة إلى استمرار النزاع.
وبين ذاكرة الشهداء وآمال الأحياء، تقف الصبيحة أمام مرحلة تحتاج فيها إلى تحويل إرث التضحيات إلى مشروع استقرار وتنمية وأمن، بحيث لا تبقى دماء أبنائها مجرد صفحات في سجل الحرب، بل تصبح دافعاً نحو مستقبل أكثر أمناً لأبنائها وللجنوب كله.