حرب بلا بوصلة .. حين يجهل الجنوب حدود المعركة

د. محمود شائف
أخطر ما يمكن أن تواجهه الشعوب في الحروب ليس قوة العدو وحدها، بل أن تدخل معركة لا تعرف بدقة أهدافها، ولا حدودها، ولا من يقف معها فعلاً، ولا ماذا ينتظرها في اليوم التالي.
وهذا هو السؤال الذي ينبغي أن نطرحه نحن الجنوبيون اليوم بجدية: إلى أين نمضي، ولماذا نقاتل، ولصالح أي مشروع سياسي ؟.
نعم .. الحوثي خصم وعدو عسكري واضح، ومشروعه التوسعي المدعوم من ايران، يفرضان تهديداً مباشراً لا يمكن تجاهله. لكن وضوح الخصم لا يعني أن تكون بقية خريطة الحرب واضحة بالضرورة. فالمشكلة تكمن في تعدد الأجندات، وتداخل المصالح، وتبدل التحالفات، بينما يظل المقاتل الجنوبي في الميدان هو من يدفع الثمن.
والخشية الحقيقية أن يجد الجنوب نفسه مرة أخرى وقوداً لحرب مفتوحة؛ تُستدعى قواته كلما انهارت جبهة، ويُطلب من شبابه سد الفراغات العسكرية، فيما تبقى الأسئلة السياسية الكبرى معلقة: ماذا سيحصل عليه الجنوب مقابل هذه التضحيات ؟ ومن يضمن ألا تتحول انتصاراته العسكرية دائما إلى مكاسب سياسية يجني ثمارها الآخرين ؟.
ليس من المنطقي أن يخوض الجنوبيون حرباً بالنيابة عن قوى لا تزال عاجزة عن بناء جبهة حقيقية في مناطقها، أو أن يتحول الجنوب إلى خزان بشري دائم لمعركة تُرسم خرائطها بعيداً عنه.
وفي الوقت الذي تسال فيه الدماء ويُقتل فيه الرجال على الجبهات، لا ينبغي أن تتحول السياسة لدى بعض القوى إلى رقعة شطرنج تُحرّك أحجارها من غرف الفنادق ومنصات التنظير على مواقع التواصل الاجتماعي.
المطلوب ليس التخلي عن مواجهة الحوثي، بل تحديد معنى هذه المواجهة وشروطها السياسية والعسكرية.
من حق الجنوب ان يعرف قبل أي اندفاع جديد: أين تبدأ معركته وأين تنتهي ؟ ما المشروع الذي تقوده هذه الحرب؟ من هم شركاؤه الحقيقيون ؟ وما الضمانات السياسية التي تحفظ تضحياته وحقه في تقرير مصيره ومستقبل اجياله؟
لقد آن الأوان للانتقال من منطق الاستجابة لكل طارئ عسكري إلى منطق المشروع السياسي الواضح لإدارة المرحلة. فالجيوش لا ينبغي أن تقاتل في الفراغ، والتضحيات لا يجوز أن تُقدَّم بشيك مفتوح.
الجنوب يستطيع الدفاع عن أرضه ومصالحه، لكن أخطر الحروب هي تلك التي ندخلها ونحن نعرف من نقاتل، ولا نعرف تماماً لصالح من نقاتل، ولا شكل اليوم الذي سيأتي بعد انتهاء المعركة.