الجنوب بين مواجهة الحوثي ورفض الوصاية.. معركة قرار لا وكالة

في الجنوب تتقاطع اليوم معركتان لا تبدوان منفصلتين في نظر كثير من أبناء الجنوب: معركة مواجهة خطر الحوثيين، ومعركة الدفاع عن القرار السياسي والعسكري الجنوبي ورفض أي محاولة لفرض الوصاية على خياراته. وبين هذين المسارين، تتشكل معادلة جديدة عنوانها الأبرز: الجنوب يريد أن يكون صاحب قرار، لا مجرد قوة يُستدعى مقاتلوها كلما احتدمت جبهة، ثم تُهمَّش قضيته ومطالبه عندما تهدأ المعارك.
خلال الأشهر الماضية، شهدت المحافظات الجنوبية فعاليات سياسية وشعبية رفعت شعار رفض الوصاية السعودية، وهو ما عكس اتساع الخلاف حول طبيعة العلاقة بين القوى الجنوبية والرياض. كما شهدت عدن وحضرموت فعاليات جماهيرية بهذا الشعار، في مؤشر على أن القضية لم تعد محصورة في خلاف بين قيادات سياسية، بل أصبحت مرتبطة، بالنسبة لأنصار المشروع الجنوبي، بمسألة القرار والسيادة ومستقبل الجنوب.
وفي الجانب العسكري، ظل الحوثيون يمثلون تهديداً قائماً على مختلف جبهات اليمن، مع تجدد المواجهات في أكثر من منطقة خلال الفترة الأخيرة. لكن الإشكالية التي يطرحها الخطاب الجنوبي تتمثل في سؤال واضح: هل المطلوب من القوات الجنوبية أن تخوض معارك مفتوحة خارج أولوياتها، بينما تبقى قضايا الأرض والأمن والقرار السياسي للجنوب معلقة؟
من هنا تأتي عبارة «معركة قرار لا وكالة» باعتبارها جوهر الموقف الذي يطرحه أنصار القضية الجنوبية. فالمسألة، في نظرهم، ليست رفض مواجهة الحوثيين من حيث المبدأ، وإنما رفض أن يتحول الجنوبي إلى قوة مقاتلة بالوكالة، تُستخدم عند الحاجة ثم تُترك مطالبه السياسية خلف أبواب التفاوض.
لقد دفع الجنوب ثمناً باهظاً في سنوات الحرب، وسقط مقاتلون ومدنيون في معارك متعددة ضد الحوثيين والتنظيمات الإرهابية وغيرها. ولذلك فإن أي حديث عن إعادة ترتيب المشهد العسكري لا يمكن أن يتجاهل دماء هؤلاء أو يتعامل معها باعتبارها رقماً في حسابات النفوذ الإقليمي أن ملف الدم الجنوبي أصبح جزءاً أساسياً من الذاكرة السياسية للمشهد، وأن عائلات الشهداء لا تنظر إلى أبنائها بوصفهم أوراقاً قابلة للمساومة. فكل شهيد خلف أسرة وذكريات وتضحيات، وكل جبهة خلفت قصصاً لا يمكن محوها ببيان سياسي أو تسوية مؤقتة.
وفي المقابل، فإن مواجهة الحوثيين تبقى قضية أمنية وعسكرية حقيقية، ولا يمكن إنكار خطورتها على اليمن والمنطقة والممرات البحرية. وقد شهدت جبهات مختلفة خلال الفترة الأخيرة مواجهات وسقوط قتلى، ما يؤكد أن خطر الحرب لم ينتهِ، وأن أي مشروع سياسي يحتاج إلى حسابات أمنية وعسكرية واقعية.
لكن السؤال الجنوبي الذي يزداد حضوراً هو: لماذا يُطلب من الجنوب أن يقدم مقاتليه في كل معركة، بينما لا يحصل في المقابل على ضمانات واضحة بشأن مستقبله السياسي وحقوقه وقراره؟ ولماذا يُنظر إلى القوات الجنوبية باعتبارها قوة مطلوبة عند الخطر، ثم يصبح وجودها ومطالبها محل خلاف عندما تبدأ مرحلة الترتيبات السياسية؟
هذه الأسئلة هي التي تجعل معركة الجنوب، أكبر من مجرد مواجهة عسكرية مع الحوثيين. إنها معركة على تعريف موقع الجنوب في المعادلة اليمنية: هل يكون شريكاً يقرر مصيره بنفسه، أم قوة عسكرية تتحرك وفق حسابات الآخرين؟
وفي هذا السياق، فإن رفض الوصاية لا يعني بالضرورة رفض التحالفات أو التعاون الإقليمي، فالدول والمكونات السياسية والعسكرية تحتاج إلى علاقات وشراكات. لكن الفرق كبير بين الشراكة والوصاية، وبين الدعم والتبعية، وبين التحالف الذي يحفظ مصالح الأطراف وبين علاقة يصبح فيها طرف صاحب القرار والطرف الآخر مجرد منفذ.
الجنوب، وفق هذا الطرح، يريد علاقة تقوم على المصالح المتبادلة والاحترام، لا على الأوامر والإملاءات. ويريد أن تكون قواته جزءاً من قرار جنوبي واضح، لا قوة يتم تحريكها من جبهة إلى أخرى وفقاً لحسابات لا يعرف تفاصيلها أبناء الأرض الذين يدفعون الثمن.
ولذلك فإن المرحلة المقبلة لن تكون اختباراً للقوة العسكرية فقط، بل اختباراً للقدرة السياسية على إدارة هذه التناقضات. فالحرب على الحوثيين لا يمكن أن تُدار بمعزل عن القضية الجنوبية، والقضية الجنوبية لا يمكن أن تُدار بتجاهل الواقع العسكري والأمني في المنطقة.
وإذا كان المطلوب مواجهة الحوثي، فإن مواجهة الحوثي تحتاج إلى استراتيجية واضحة، وأهداف معلنة، وضمانات سياسية، وقرار عسكري منظم، وليس مجرد استدعاء للمقاتلين الجنوبيين تحت ضغط اللحظة. أما إذا كان المطلوب استخدام الجنوب كقوة احتياطية في صراع طويل، فإن ذلك لن يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة وإعادة إنتاج أسباب الصراع.
لقد أثبتت السنوات الماضية أن الجنوب ليس مجرد جغرافيا على هامش الصراع اليمني، بل طرف رئيسي في معادلات الأمن والسياسة. وما يجري اليوم من احتجاجات وفعاليات رافضة للوصاية يؤكد أن مسألة القرار أصبحت في مقدمة الخطاب السياسي الجنوبي.
وفي نهاية المطاف، تبقى الرسالة الأبرز: لا يمكن بناء استقرار حقيقي على تجاهل تضحيات الشهداء، ولا يمكن صناعة شراكة مستدامة عبر فرض الوصاية، ولا يمكن مطالبة الجنوب بخوض معركة نيابة عن الآخرين بينما يُطلب منه الصمت عندما يتعلق الأمر بمستقبله.
إن مواجهة الحوثي، بالنسبة لكثير من الجنوبيين، لا تعني التخلي عن قضيتهم، ورفض الوصاية لا يعني بالضرورة التخلي عن مواجهة التهديدات. المعادلة التي يطرحها الشارع الجنوبي أكثر وضوحاً: نواجه الخطر، لكن بقرارنا؛ نحمي أرضنا، لكن دون وكالة؛ ونحترم التحالف، لكن دون وصاية.
فالدم الجنوبي الذي سال في ميادين القتال لا ينبغي أن يتحول إلى شيك سياسي مفتوح، والشهيد لا ينبغي أن يكون مجرد عنوان في بيانات المناسبات. ومن هنا تصبح معركة القرار امتداداً لمعركة الميدان: جنوبٌ يريد أن يقاتل عندما يقرر، ويتحالف عندما يقتنع، ويرفض الوصاية عندما تهدد حقه في تقرير مستقبله.