فضيحة من داخل الشرعية.. اعترافات البركاني تكشف رفض قياداتها قتال الحوثي وتجميد جبهات الشمال.

تقرير | مهيب الجحافي
أعادت تصريحات لرئيس مجلس النواب اليمني سلطان البركاني، خلال لقاء جمعه بشخصيات ووجهاء من محافظة تعز، فتح ملف أسباب استمرار جمود جبهات القتال في المحافظات الشمالية طوال سنوات الحرب، وسط اتهامات متصاعدة لقيادات نافذة داخل منظومة الشرعية بتقديم الحسابات السياسية والمصالح الحزبية على مشروع استعادة الدولة ومواجهة جماعة الحوثي.
وتداول ناشطون ومتابعون مقاطع من اللقاء، ظهر خلالها البركاني متحدثًا عن مواقف سابقة تتعلق بعروض ودعم طُرح لمواجهة الحوثيين، مؤكدًا رفضه الانخراط في معارك قال إنها قد تؤدي إلى سقوط مزيد من الضحايا، في تصريحات اعتبرها منتقدون اعترافًا سياسيًا يسلط الضوء على الأسباب الحقيقية وراء بقاء جبهات واسعة خارج نطاق المواجهة العسكرية.
وتأتي تصريحات البركاني في وقت ظلت فيه قيادات الشرعية، وعلى مدى سنوات، ترفع شعار «استعادة الدولة» و«تحرير صنعاء»، دون أن يرافق تلك الشعارات تحرك عسكري قادر على تغيير خارطة السيطرة الميدانية في الشمال، الأمر الذي أتاح لجماعة الحوثي تعزيز قبضتها على مؤسسات الدولة ومناطق واسعة من البلاد.
ويرى مراقبون أن ما كشفته تصريحات رئيس البرلمان يمثل تناقضًا صارخًا بين الخطاب السياسي المعلن والممارسة على الأرض؛ فمن جهة تتحدث قيادات الشرعية عن معركة مفتوحة لاستعادة الدولة، ومن جهة أخرى تتجنب القوى المؤثرة داخلها فتح جبهات حقيقية لتحرير المناطق التي ينتمي إليها معظم قادتها.
هذا التناقض يعيد طرح تساؤلات واسعة حول مصير الدعم العسكري والمالي الذي قُدم للشرعية طوال سنوات الحرب، ولماذا بقيت جبهات مأرب وتعز والجوف وغيرها رهينة حالة من الجمود، بينما تمكن الحوثيون من استثمار الوقت لإعادة بناء قوتهم العسكرية وتطوير ترسانتهم وتعزيز نفوذهم السياسي والعسكري.
وتذهب أصوات سياسية وإعلامية إلى أبعد من ذلك، معتبرة أن استمرار حالة الجمود لا يمكن تفسيره بالعجز العسكري وحده، بل يثير شبهات حول وجود مصالح متبادلة بين أطراف نافذة في الشرعية وجماعة الحوثي، خصوصًا في ظل استمرار شبكات التجارة والتهريب والجبايات عبر خطوط التماس، وتحول الحرب لدى بعض القوى إلى مصدر نفوذ ومكاسب اقتصادية.
وفي مقابل هذا المشهد، تواصل بعض قيادات الشرعية توجيه اتهامات بالتخادم مع الحوثيين إلى المجلس الانتقالي الجنوبي والقوات المسلحة الجنوبية، رغم أن الأخيرة خاضت مواجهات مباشرة مع الجماعة في أكثر من جبهة، وقدمت خسائر بشرية كبيرة في إطار حماية المناطق الجنوبية ومواجهة التمدد الحوثي.
ويقول منتقدون إن تصريحات البركاني وضعت منظومة الشرعية أمام واحدة من أكثر لحظاتها إحراجًا، إذ جاءت الاعترافات هذه المرة من داخل أعلى مؤسسة سياسية تمثلها، وليس من خصومها أو القوى المناوئة لها.
وبينما تتواصل محاولات تقديم الفشل العسكري باعتباره نتيجة لتعقيدات الحرب، تبدو تصريحات رئيس البرلمان كاشفة لحقيقة أخرى: أن قرار المواجهة لم يكن غائبًا بسبب نقص الإمكانات وحده، بل بسبب غياب الإرادة السياسية لدى قوى يفترض أنها جاءت تحت راية تحرير الدولة.
ومع خروج هذه التصريحات إلى العلن، يعود السؤال الأكثر حساسية إلى الواجهة: من الذي أبقى جبهات الشمال مجمدة طوال هذه السنوات؟ ومن المستفيد الحقيقي من استمرار سيطرة الحوثيين على المحافظات الشمالية؟
أسئلة قد لا تجد إجابات رسمية قريبًا، لكنها أصبحت اليوم أكثر إلحاحًا، خصوصًا عندما تأتي مؤشرات الإخفاق والانسحاب من المواجهة باعترافات صادرة عن شخصيات تتصدر هرم السلطة الشرعية نفسها.