اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

#الدم مقابل الراتب

احمد ناصر السقلدي 

اذهب إلى الجبهة… والراتب سيأتيك بعد عودتك.
هكذا قالوا لنا.
وكأن العودة مضمونة، وكأن الموت خيار ثاني.
العودة عندهم لها ثلاثة أوجه : إما أن تعود جثة ملفوفة بعلم، أو أن تعود جسداً مكسوراً على كرسي متحرك، أو أن تعود حياً ولكن ميتاً من الداخل… مكتئباً، مكسور الخاطر، مسلوب الكرامة، تركض من مكتب إلى مكتب تسأل عن راتبك.

أصبحنا في زمن عجيب. زمن صار فيه دم الجندي الجنوبي سلعة، والراتب منّة.
نرابط شهوراً في ألجبهات، وفي جبهات الشمال مجبرا أخاك لا مخير، ونحن لا نعلم هل سيصل الراتب هذا الشهر أم الذي بعده. نتصل بالبيت ونسمع صوت الجوع في صوت أطفالنا، ونبلعها ونقول “معلش… الوطن يريد تضحيات”.
نُصاب فيتم ربط جراحنا مؤقتا لنعود ثانيةََ إلى الموت، ونُرفع بأسمائنا في قوائم “سيتم الصرف لاحقاً”.
نستشهد فيتركون أمهاتنا تبكي على باب الجمعيات الخيرية، وتنتظر كيس بر.

وفي المقابل نرى بأعيننا من لم يطلق رصاصة واحدة يستلم ثلاثة رواتب، ومن لم يعرف الجبهة يملك عمارات، ومن يتاجر باسمنا يطلع في الشاشات يتكلم عن البطولات.
الاستفزاز ليس في تأخير الراتب فقط. الاستفزاز أنهم يريدونك أن تقاتل وأنت جائع.
يريدونك أن تصمد وأنت مهان.
يريدونك أن تموت وأنت صامت.

أي منطق هذا الذي يجعل ابن الجنوب يموت في أرض لا يملك فيها شبراً، بينما أرضه هو تُنهب وثروته تُسرق وحدوده تنزف يوميا؟
أي منطق هذا الذي يجعل بندقية القوات الجنوبيه في أقصى الشمال، وحماية الجنوب آخر الاهتمامات؟

نحن لم نرفض التضحية يوماً. نحن أبناء هذه الأرض وقدمنا لها خيرة شبابنا.
لكن التضحية لها وجه واحد اسمه الكرامة.
أما أن تطلب مني دمي اليوم، وتوعدني براتبي بعد سنة، وتسلبني كرامتي كل يوم… فهذا ليس وطناً أدافع عنه، هذا سوق نخاسة.

كفى متاجرة بدمائنا.
كفى أن يكون الجندي آخر من يُفكر فيه وأول من يُرمى في النار.
نحن لا نريد صدقة. نريد حقنا. راتباً في وقته، وعلاجاً لجرحانا، وكرامة لشهدائنا، وبندقية تُستخدم في مكانها الصحيح… في تحرير مكيراس، في تأمين حدود الجنوب، في حماية أرض الجنوب وثروته.

الدم الجنوبي ليس مقابل راتب.
الدم الجنوبي ثمنه وطن.
وإذا كانوا لا يفهمون ذلك، فالتاريخ وحده سيكتب من باع، ومن اشترى، ومن قاتل وهو مرفوع الراس.

رحم الله شهداءنا… والشفاء لجرحانا… والنصر لجنوبنا العربي الحر المجيد

زر الذهاب إلى الأعلى