اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

ليس كل ما يُكتب يُستحق أن يُقرأ

علي سيقلي


لستُ ضد أن تكتب، فحرية الرأي قيمة ندافع عنها، حتى عندما نختلف. لكنني ضد ما تكتب حين يتحول القلم من أداة وعي إلى أداة إساءة، ومن وسيلة للتعبير إلى مستنقع للألفاظ التي يعفّ اللسان عن ترديدها.

 

صحيح أن لكل إنسان الحق في أن يختار طريقه، وأن كل شاة معلقة بعرقوبها، لكن تبقى السفالة مرضًا أخلاقيًا أعيا من يداويه، لأنها لا تبدأ من الكلمة، بل من صاحبها.

 

ليس أخطر ما في العبارات البذيئة أنها تجرح خصمك، بل أنها تفضح كاتبها. فالناس قد ينسون الفكرة، لكنهم لا ينسون مستوى من كتبها، ولا الأخلاق التي كشفت عنها.
وتبقى هناك صورة لا تغادر الذهن…
تخيل أن ابنتك، التي كنتَ يومًا قدوتها، تقرأ ما تكتبه. تقرأ الشتائم، والإيحاءات، والعبارات التي تخدش الحياء. ماذا ستقول لنفسها؟ وكيف ستفسر أن الرجل الذي علّمها الأدب هو أول من هدمه بيده؟


تخيل نظرتها إليك وهي تقلب تلك الكلمات، لا بعين الإعجاب، بل بعين الخجل. تخيل الصدمة وهي تكتشف أن والدها، الذي كانت تفخر بالانتساب إليه، صار يبحث عن الانتصار بإهانة الآخرين، وعن زيادة عدد المتابعين بإسقاط نفسه.
وهذه خسارة لا يعوضها إعجاب، ولا يجبرها تملقُ منافقٍ يؤيدك، لا محبةً فيك، بل إمعانًا في إسقاطك، ولا يمحوها اعتذارٌ متأخر.

 

الخلاف لا يفسد الأخلاق إلا عند من فقدها. أما أصحاب المبادئ، فيختلفون كثيرًا، لكنهم لا يسقطون إلى القاع، لأنهم يدركون أن الكلمة ليست مجرد حروف تُكتب، بل مرآة تعكس صاحبها قبل أن تصل إلى غيره.

 

فاكتب ما شئت، لكن تذكر دائمًا أن كلماتك قد يقرؤها أعداؤك، وأصدقاؤك، وأبناؤك أيضًا. وحينها لن يُسأل الناس: من الذي شتم؟ بل سيُسألون: من الذي ربّى؟ ومن الذي أساء إلى نفسه قبل أن يسيء إلى غيره؟
فتأمل

زر الذهاب إلى الأعلى