حين تتحول مواثيق التغيير إلى أدوات للمحاصصة.. أزمة اختيار مؤسسات تأسيس وانعكاساتها على مستقبل السودان

حمدون باخت موسى
اندلعت حرب الخامس عشر من أبريل 2023م لتكشف بصورة جلية عمق الأزمة التاريخية التي ظلت تعصف بالدولة السودانية منذ الاستقلال، حيث سارعت النخب المسيطرة على المؤسسة العسكرية، والتي ارتبطت لعقود بمركز الهيمنة السياسية والاجتماعية، إلى خوض معركة لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل محاولة لإعادة إنتاج دولة الإقصاء القديمة بثوب جديد. ومنذ اللحظات الأولى للحرب، أدركت قطاعات واسعة من السودانيين أن الهدف الحقيقي لم يكن حماية الوطن كما يُروَّج، وإنما القضاء على أي مشروع يمكن أن يهدد احتكار السلطة والثروة الذي استمر لعقود طويلة. لذلك انخرطت قوى عديدة في هذه المواجهة باعتبارها معركة وجود سياسي وفكري ضد بنية تقليدية ظلت تتحكم في مصير البلاد منذ عام 1956م، خاصة بعد أن أصبح القائد محمد حمدان دقلو منحازًا بصورة واضحة لشعارات التغيير التي رفعتها ثورة ديسمبر، وهو ما أثار قلق النخب العسكرية التقليدية التي رأت في هذا التحول تهديدًا مباشرًا لمعادلات النفوذ القديمة.
لقد حظيت قوات الدعم السريع، في ظل تلك المعادلات، بتأييد واسع من قطاعات اجتماعية وسياسية شعرت للمرة الأولى أن هناك إمكانية حقيقية لكسر احتكار المركز وإعادة صياغة الدولة السودانية على أسس جديدة. وتوّج ذلك بتكوين التحالفات السياسية والعسكرية التي عُرفت لاحقًا باسم “تأسيس”، خاصة بعد انضمام الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة عبد العزيز الحلو وقوى أخرى حملت ذات الشعارات المتعلقة بالعدالة والمواطنة المتساوية. وقد علّقت جماهير الهامش آمالًا كبيرة على ميثاق تأسيس، باعتباره مشروعًا واعدًا لإعادة بناء السودان وفق مبادئ العلمانية والديمقراطية والفيدرالية والاعتراف بالتعدد العرقي والثقافي والديني. تلك المبادئ لم تكن غريبة على التاريخ الدستوري السوداني، إذ ظلت حاضرة في كثير من الوثائق والدساتير السابقة، غير أن الأزمة المزمنة تمثلت دائمًا في غياب الإرادة السياسية الحقيقية لتنفيذها، حيث كانت الدساتير تُستخدم كوسيلة مؤقتة للمناورة قبل أن يتم تمزيقها والانقلاب عليها خدمة لمصالح النخب المتصارعة داخل دوائر السلطة المغلقة.
غير أن المؤسف اليوم هو أن تحالف تأسيس نفسه بدأ يسير تدريجيًا على ذات النهج الذي انتقده طويلًا، وذلك عبر تجاوز المبادئ الدستورية التي قام عليها المشروع منذ البداية. فبدلًا من ترسيخ مبدأ المشاركة الشعبية والرجوع للقواعد الاجتماعية والسياسية في اختيار مؤسسات الحكم، جرى تشكيل بعض المجالس، وعلى رأسها مجلس الأقاليم، بطرق تفتقر إلى الشفافية والتوافق الحقيقي. وأصبح النفوذ محصورًا داخل مجموعات ضيقة تتحكم في صناعة القرار وفق حسابات الولاء والعلاقات الشخصية، لا وفق المعايير الدستورية والمؤسسية التي نص عليها الميثاق. كما أن عودة الإدارة الأهلية إلى واجهة صناعة القرار السياسي بهذا الشكل أعادت إنتاج ذات البنية التقليدية التي ساهمت تاريخيًا في إضعاف الدولة المدنية وإجهاض مشاريع التحول الديمقراطي، الأمر الذي أثار مخاوف واسعة من انحراف المشروع عن أهدافه الأصلية.
إن أخطر ما يمكن أن تواجهه أي ثورة أو مشروع تغيير هو أن يتحول، بمرور الوقت، إلى نسخة مشوهة من النظام الذي خرج لمحاربته. فالقضية ليست مجرد تغيير أسماء أو تحالفات، وإنما بناء دولة جديدة قائمة على احترام الدستور والمؤسسات وسيادة الإرادة الشعبية. وإذا استمرت ذات أساليب التعيين المغلق والمحاصصات والتلاعب بالمبادئ، فإن السودان سيظل يدور في الحلقة نفسها التي بدأت منذ الاستقلال، وستصبح كل الشعارات المتعلقة بالعدالة والحرية مجرد عبارات للاستهلاك السياسي. إن الشعوب التي دفعت ثمن الحرب والتهميش والدمار تستحق مشروعًا وطنيًا حقيقيًا لا يُدار بالعقلية القديمة، بل يقوم على الشفافية والمحاسبة والالتزام الصارم بروح المواثيق التي وُقّعت باسمها التضحيات.