اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

دولة في زمن الملاريا

كتب/علي سيقلي

في هذا البلد، لم تعد الملاريا مجرد بعوضة تحمل المرض، بل تحولت إلى نظام حكم كامل.
بعوضة تلسع المواطن في دمه، بينما المسؤولون منشغلون بعدّ الولاءات، وتقسيم النفوذ، ورفع تقارير الطاعة لمن يهمه الأمر.
الناس هنا لا يموتون لأن الطب عاجز، بل لأن الدولة نفسها مصابة بفقر الدم الوطني.
بلد كامل ترتجف أطرافه من الحمى، بينما حكامه يتجادلون حول من يملك الختم، ومن يجلس أقرب إلى باب ولي نعمته، ومن يحق له التحدث باسم الدولة التي بيعت بالتقسيط المريح.
في اليمن، لم يعد المواطن يخاف من المرض بقدر خوفه من اللامبالاة.
الملاريا تنتشر كالنار، والمستشفيات تحولت إلى صالات انتظار للموت، والأدوية أصبحت رفاهية تشبه حلم شراء منزل على سطح القمر.
أما المسؤول؟
فهو مشغول بمعركة وطنية عظيمة جدًا، عنوانها:
“من الأكثر إخلاصًا وطاعة؟”
صار لدينا حكام يتنافسون في الولاء لولي النعمة أكثر من تنافسهم في إنقاذ الناس.
كل واحد منهم يحمل ملفه تحت إبطه، ويركض نحو الخارج كطالب ينتظر شهادة حسن سلوك سياسية.
أما الداخل؟
فليمت بالملاريا، أو بالكوليرا، أو بالجوع، أو بالخذلان، لا فرق.
البلاد اليوم لا تُدار بعقل دولة، بل بعقلية “السمسار”.
والمندوب بطبيعته لا يفكر في الشعب، بل في رضا من أرسله.
ولهذا أصبحت السيادة مجرد ديكور يوضع في الخطب، بينما القرار الحقيقي يسافر يوميًا بجواز دبلوماسي نحو العواصم الخارجية.
حتى الهوية لم تعد ملك المواطن.
سلّموا كل شيء… القرار، والموانئ، والمطارات، وحتى الإحساس البسيط بأن هذا الوطن لنا.
واليوم، بعد أن سلّموا الهوية الشخصية وجواز السفر، قرروا أن يدخلوا إلى تفاصيل حياتنا أكثر.
شريحة للسيارة، تتبع وتحكم ورصد.
وغدًا ربما شريحة للمواطن نفسه، حتى يعرفوا متى يتنفس، وإلى أين يذهب، ومع من يجلس، وماذا يقول.
كأن المشكلة في اليمن كانت دائمًا:
“كيف نراقب المواطن، ونتلصص على أسرار غرفة نومه؟”
وليس:
“كيف نحميه من الموت؟”
في الدول الطبيعية، تُستخدم التكنولوجيا لخدمة الإنسان.
أما هنا، فتُستخدم لخدمة الخوف.
الخوف من المواطن، والخوف من الكلمة، والخوف من أي صوت ما يزال يملك شجاعة السؤال.
يا لسخرية القدر…
بلد عاجز عن توفير “ناموسية” لطفل في قرية نائية، يفكر في أنظمة تتبع السيارات ومراقبة الحركة!
دولة لا تستطيع إنقاذ مريض ملاريا، لكنها تستطيع ملاحقة سيارة مواطن تأخر في دفع الرسوم، أو شتم المسؤول الفلاني لأنه لم يوفر لنا أبسط حقوقنا.
صرنا نعيش في وطن يُعالج فيه البعوض بحرية أكبر من علاج البشر.
الملاريا ليست كارثة صحية فقط، بل فضيحة سياسية وأخلاقية.
لأن الدولة التي تعجز عن حماية الناس من بعوضة، لا يحق لها أن تتحدث عن الأمن القومي، ولا عن الهيبة، ولا عن النظام والقانون.
أي قانون هذا الذي يراقب السيارة ويترك الإنسان يموت؟
وأي هيبة تلك التي تظهر فقط على المواطن البسيط، بينما البلاد كلها في خبر كان؟
الأسوأ من المرض، هو الاعتياد عليه.
أن يصبح خبر وفاة طفل بالملاريا خبرًا عاديًا لا يهز مسؤولًا، ولا يوقظ ضميرًا، ولا يقطع اجتماعًا سياسيًا تافهًا يدور حول المحاصصة وتقاسم النفوذ.
في اليمن اليوم، أصبح المواطن مجرد رقم زائد في نشرات الكوارث.
أما الحاكم، فتحوّل إلى موظف علاقات عامة لدى الغير، يتقن فن الابتسام أمام الكاميرات أكثر من إتقانه إدارة دولة.
نحن لا نعيش أزمة بعوض…
نحن نعيش أزمة وطن كامل تم نهشه حتى العظم.
وطن تتقاتل فيه القوى على الأرض، بينما الأرض نفسها تمتلئ بالمقابر.
وفي النهاية، سيكتشف الجميع أن أخطر ما قتل اليمن لم يكن الملاريا، بل أولئك الذين تعاملوا مع الشعب كحمولة زائدة على مشاريعهم الصغيرة.
فالملاريا تقتل الجسد…
أما الارتهان، فيقتل الوطن بأكمله.

الخميس الموافق 14 مايو 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى