4 مايو: من ولادة المنجز السياسي إلى بناء ثوابت الإجماع الوطني

د. أمين العلياني
لكل شعب لحظةٌ فارقة تتكثف فيها آلامه المتراكمة لتتحول إلى قدر لا مهرب منه، وتتجمع فيها أحلامه المبعثرة عبر السنين لتغدو يقينًا راسخًا كالجبال، وينهض فيها من تحت رماد التشظي والانكسار ليعلن للوجود السياسي بأسره أن الروح الجماعية عصية على الموت، وأقوى من كل محاولات الطمس والإلغاء والتغييب. وللجنوب العربي، كانت تلك اللحظة الفاصلة بين العدم والوجود هي الرابع من مايو، يوم ارتقى الوجع الجماعي إلى مستوى الوعي التاريخي، ويوم تحولت الهتافات المتعبة في ساحات النضال إلى كيان سياسي مكتمل الأركان يحمل اسم التضحيات، ويصوغ من ركام المعاناة صرحًا شامخًا للإرادة، ويعلن أن شعبًا أبى أن يموت قد قرر أن يُكتب له ميلاد جديد تحت راية المجلس الانتقالي الجنوبي.
ومن هنا جاء المجلس الانتقالي الجنوبي استجابةً لضرورة تاريخية لم تعد تحتمل الانتظار؛ ضرورة امتلاك الجنوب لأداة سياسية مكتملة الأركان تعبّر عن إرادته الحرة، وتخاطب العالم باسمه الموحد، وتدير معركته التحررية بعقل استراتيجي بارز يخطط للمستقبل. غير أن السؤال الجوهري الذي ينبغي أن يظل ماثلًا أمام كل جنوبي غيور هو: كيف استطاع المجلس الانتقالي أن يصهر مشروعًا وطنيًا جنوبيًا جامعًا يحتوي كل الأطراف والأطياف السياسية؟ كيف تحول من فكرة في وجدان الثوار إلى مظلة وارفة تستظل بها المكونات كافة، ومن شعارات في ساحات الاعتصام إلى مؤسسة دولة تُدير الواقع وتخطط للمستقبل؟
الإجابة تكمن في أن المجلس الانتقالي الجنوبي لم يُبنَ على عقلية الإقصاء أو الاحتكار، بل تأسس منذ لحظته الأولى على مبادئ ميثاق الشرف الجنوبي وبنوده التي صارت مرجعية عليا مقدسة للنضال والسير الموحد القوي صوب استعادة دولة الجنوب العربي الفيدرالية كاملة السيادة. لقد أدرك مؤسسوه، ببصيرة نافذة، أن الطريق إلى الدولة لا يُشق إلا بجماعية الإرادة، وأن النصر لا يُصنع إلا بسواعد الجميع، وأن الراية لا ترتفع خفاقة في سماء المجد إلا إذا حملها كل جنوبي شريف من المهرة شرقًا إلى باب المندب غربًا. وهنا تجلّت عبقرية البناء في أبهى صورها: فالمجلس لم يأتِ ليضيف حزبًا إلى الأحزاب، ولا فصيلًا إلى الفصائل، بل جاء ليكون الإطار الجامع الذي تذوب فيه الفوارق الضيقة، وتنصهر فيه الانتماءات الفرعية، وتلتقي عنده كل التيارات على اختلاف مشاربها، لتشكّل معًا نسيجًا وطنيًا واحدًا عنوانه استعادة دولة الجنوب وغايته الاستقلال الوطني التحرري.
وما دام النضال والتجربة الجنوبية، بما فيها من آلام وإخفاقات ودروس، قد أدركت بوعي الناضج أن الاحتكام للثوابت ليس ترفًا فكريًا، بل هو صمام الأمان الذي يمنع الانزلاق إلى متاهات الفرقة، وهو السياج المنيع الذي يحمي المكتسبات من عبث العابثين؛ وفي هذا السياق التأسيسي، كان ميثاق الشرف الجنوبي خارطة طريق أخلاقية قبل أن يكون وثيقة سياسية، وبوصلةً للضمير الجمعي قبل أن يكون نصوصًا مكتوبة.
ومن هنا جاءت نصوص الميثاق الوطني الجنوبي وفق مرتكزات خمس شكلت العمود الفقري للمشروع الوطني: أولها ترسيخ وحدة الصف الجنوبي، إذ فتح المجلس أبوابه لكل جنوبي يرى في استعادة الدولة هدفًا، بغض النظر عن انتمائه، فلم يسأل القادمين عن ماضيهم بل عن رؤيتهم للمستقبل. وثانيها بلورة رؤية سياسية موحدة، لا بعشرات الألسنة المشوشة ولا بتصورات متناقضة، فوحّد البوصلة نحو هدف مركزي لا يحتمل التأويل. وثالثها تنظيم العلاقة بين المكونات بما يخدم قضية استعادة الدولة، حيث الشراكة الحقة تُصنع في الفضاء العام لا في دهاليز الصفقات الخفية. ورابعها الالتزام بالحوار وسيلةً وحيدة لحل الخلافات، حوارًا يقتضي استعدادًا للتغيير وشجاعة على مراجعة الذات. وخامسها دعم المسار الدبلوماسي لنيل الاعتراف الإقليمي والدولي، فالقضية العادلة تحتاج سفراء مخلصين يطرقون أبواب العالم طرق الواثق. وبهذه المبادئ، تحول الميثاق من نصوص إلى روح تسري في جسد المشروع الجنوبي، وإلى سياج منيع يحمي المكتسبات.
وفي قلب هذه المنظومة المتكاملة، يأتي تفويض الرئيس عيدروس الزُبيدي لقيادة المجلس بوصفه أبرز الإنجازات التاريخية التي خدمت الإجماع الوطني. ولم يكن هذا التفويض صفقة سياسية تُعقد في الخفاء، ولا منصبًا يُمنح بالمحاصصة والمساومة، بل كان تتويجًا طبيعيًا لمسار نضالي طويل، وتعبيرًا صادقًا عن إرادة شعب رأى في هذا الرجل رمزًا لصموده ومرآةً لتطلعاته، ليظل المجلس كيانًا سياسيًا شعبيًا خُلق من رحم إرادة الشعب بتفويض تاريخي يمثل روح النضال واستعادة دولة الجنوب العربي الفيدرالية كاملة السيادة.
ولقد أثبت تفويض الرئيس الزُبيدي لرئاسة المجلس الانتقالي، منذ اللحظة الأولى، أن شرعية التفويض تُستمد من القدرة المستمرة على تحقيق الإنجاز وصون الثوابت: بالحفاظ على وحدة الصف ومد اليد لكل القوى الوطنية، وبالاحتكام الدائم للثوابت دون انحراف عن المسار، وبصون المكتسبات التي تحققت بدماء الشهداء. وهكذا، صار التفويض إنجازًا تاريخيًا بحد ذاته، لأنه حوّل القيادة من موقع في هرم السلطة إلى رمز جامع يلتف حوله الجنوبيون، وإلى ضمانة حقيقية لاستمرار النضال على الأسس الصحيحة. وما كان لهذا أن يتحقق لولا أن الرئيس الزُبيدي ظل وفيًا لمبادئ الاحتكام للثوابت، رافضًا أن يكون قائدًا يُغلق الأبواب أو رمزًا يُقصي الشركاء، بل كان النموذج الحي للقائد الذي يتسع صدره للجميع، مدركًا أن قوته الحقيقية تكمن في إجماع شعبه والتفافه حوله.
وهنا تكمن إحدى أعظم إنجازات المجلس الانتقالي الجنوبي: أنه استطاع، بوعي قيادته وحكمة مؤسسيه، أن يظل ذلك الإطار الجامع الذي يصهر كل الطاقات الوطنية في بوتقة واحدة، فاتحًا أبوابه لكل الأطياف؛ للأحزاب والمستقلين، وللمدنيين والعسكريين، وللمثقفين والنقابيين، وللنساء والشباب، ولكل من يحمل همّ الوطن، متحولًا إلى مختبر حي للممارسة الوطنية الراقية حيث تُمارس التعددية باحترام، وحيث يجد كل جنوبي مكانه دون أن يتخلى عن هويته، ما دام الهدف الأسمى واحدًا. وهنا تتجلى عبقرية الرابع من مايو في بعده الاستشرافي: إعلان ضمني بأن هذا الكيان السياسي الوطني سيظل مفتوح الأبواب، يسعى لاستيعاب كل الطاقات الوطنية أينما كانت.
لقد أدرك المجلس، بقيادة الرئيس الزُبيدي، أن العالم لا يستمع إلى الأصوات المتنافرة، ولا يمنح اعترافه لمن لا يمثل إرادة جماعية حقيقية، فجاء الاحتكام للثوابت ليقدم للعالم نموذجًا جنوبيًا مختلفًا: نموذج شعب يدير خلافاته بالحوار، ويصطف خلف قيادته عند المصير، ويخاطب العالم بصوت واحد. وما التقدم الدبلوماسي الذي أحرزته قضية شعب الجنوب إلا ثمرة مباشرة لهذا الاحتكام الصارم. وإن الحديث عن الثوابت لا يكتمل دون الحديث عن المكتسبات التي صُنعت بتضحيات جسام، فالمكتسبات ليست أرقامًا في تقارير، بل هي خلاصة عمر من النضال، وأمانة ثقيلة في عنق كل جنوبي. لقد حرص المجلس على أن تكون حماية هذه المكتسبات بوصلةً ثابتة، فلا تفريط في الأرض ولا مساومة على السيادة ولا تراجع عن الحقوق. وهذا الصمود هو ما حفظ للجنوب قوته التفاوضية ومصداقية قضيته، وجعل من حلم دولة الجنوب المستقلة واقعًا يُبنى على وفق مبادئ الاحتكام للميثاق والسير على إطار بنوده نحو ضوء الاستقلال واستعادة دولة الجنوب.
ونحن نقف على أعتاب مرحلة الاستحقاق، علينا أن نجعل من الاحتكام للثوابت ثقافة يومية، ومن الحوار الصادق منهج حياة، ومن الشراكة الحقيقية ممارسة فعلية. حينئذ فقط، بعد هذا المخاض الطويل، يمكن القول إن المنجز السياسي المتمثل في المجلس الانتقالي الجنوبي قد بلغ رشده واستوى على سوقه، وإن التضحيات الجسام لم تذهب سدى، وإن الطريق إلى دولة الجنوب المنشودة يسير عليه شعب موحد الصف، لا تفرقه الرياح ولا توهنه العواصف، لأنه ببساطة عميقة: أذاب شمعة نضاله في خدمة قضيته، فصار ضوءه شمسًا لا تأفل، وظل وطنه مضيئًا حتى بعد رحيله.