القاصة الجنوبية سحر عبداللاه تكتب قصة قصيرة بعنوان “غداً يتحدث”

سحر عبداللاه صالح مثنى
وأخيرًا وصلت إلى وجهتي بعد أن كانت الطريق مزدحمة والشمس غاضبة فاحرقت جلودنا من شدة حرارتها.
ترجلت من السيارة واتجهت صوب الإدارة بعد أن أعلمتهم مسبقًا بحضوري، ومن ثم استقبلتني إحدى الموظفات وقادتني إلى حيث تجلس المسنات.
كنت بحاجة إلى موضوع حقيقي وإنساني لأدرجه في الجريدة التي أعمل بها، وبالمصادفة مررت ذات يوم من أمام دار المسنين وقررت أن تكون هي وجهتي، وهكذا نجذب استعطاف القراء.
تأملت الموجودات، ولكن ثمة واحدة لفتت انتباهي، كانت تجلس وحيدة بينما الأخريات يتبادلن الأحاديث وكأنهن ألفن بعضهن البعض.
عندئذ اقتربت منها وعرفتها عن نفسي، وبعد ذلك أخبرتها بأن تحكي لي سبب تواجدها في هذا المكان.
صمتت لبرهة ثم ابتسمت ابتسامة حزينة وقالت:
“كنت أمتلك منزلًا جميلًا وعائلة مكونة من ثلاثة أشخاص: أنا وزوجي وابني، وقد حظيت بوظيفة مرموقة وكذلك زوجي، ولم نبخل على ابننا بشيء سواء من مأكل أو ملبس، وحتى أننا وضعناه في مدرسة خاصة.”
صمتت لبرهة وقد فتحت تسجيل الهاتف بعد أن أعلمتها، ثم استأنفت الحديث: “لكن يا ابنتي لم تكن بذرتنا مثمرة.”
تدخلت بالحديث: “لكن لماذا وقد وفرتِ كل سبل الراحة لابنك؟”
<span;><span;>- كانت لدي طموحات وانطلقت لتحقيقها، ولم أضع في الحسبان أن من ضمن ما أسعى إليه استثمار أهم كنز موجود في حياتي وهو ابني. كان دائمًا ما ينام أمام المنزل ينتظرنا حتى نعود من العمل أنا ووالده عندما ينسى مفتاحه، بل حتى طعام الغذاء عليه أن يتناوله الساعة الثالثة بعد الظهر حين عودتنا. لم نكن أصدقائه الحقيقيين، ولم يكن يخبرنا عن مشاكله، وعوضًا من أن نقضي وقتنا برفقته بعد العمل، كنت أختار نفسي وأتجه إلى زيارة الأصدقاء والجيران أو مشاهدة المسلسلات كونني أستحق ذلك بعد عناء العمل حتى… حتى…
سكتت لبرهة بعد أن ابتلت عيونها، فأخرجت منديلًا من حقيبتي ومن ثم أتمت:
حتى ضاع مني وأصبح يرافق أصدقاء السوء لدرجة أنني كنت أعطيه ثمن السجائر تجنبًا لمشاكله، وبعد وفاة والده اشتدت حالته وانتهى بي الحال إلى هنا.
ولكن كيف انتهى الحال بك إلى هنا؟!
هل تظنين أن ابني هو من أتى بي إلى هنا كبقية الأخريات؟
أليس هو؟!
لا، لقد أتيت من تلقاء نفسي.
“ولكن لمَ فعلتِ ذلك؟!
لقد تورط في قضية ممنوعات وكاد أن يصل به الحكم إلى المؤبد، فبعت منزلنا لمساعدته. بقيت القضية سنوات وأنا أدفع لمحامي حتى يخفف الحكم. وبعد سنوات من خروجه، طالبت بوضعه في مصح ليتعالج من إدمانه بالمال المتبقي. تجمدت في مكاني وأنا أسمعها، فحاولت أن أهون عليها، ومن ثم غادرت، وقد كانت إحدى الموظفات تناديني، ولكن لم أستشعر صوتها وكأنني فصلت عن العالم.
فتحت باب سيارتي وتناولت الهاتف، اتصلت برب عملي وأخبرته بأنني لن أعود إلى المقر لأمر طارئ حصل معي، وعدت إلى المنزل. وأثناء عودة ابني من المدرسة، وجد الباب مفتوحًا، وقد فعلت ذلك عمدًا. فدخل مفاجئًا، وقد استقبلته بابتسامة ورائحة الطعام وهي تتسلل من المطبخ. فحضنته ثم سألته عن يومه، وكانت هذه أول مرة أفعل ذلك.