شجاعة القرار وثبات القضية

نظير حسان
في لحظات التحوّل الكبرى، تُقاس مواقف القيادات بقدرتها على تغليب مصلحة الوطن على نزعات القوة والانتصار اللحظي، وفي واقع الجنوب، الذي عانى طويلاً من الصراعات والتقلبات، برزت مواقف شكّلت فارقاً حقيقياً في مسار القضية الجنوبية، وفي مقدمتها الدور الذي لعبه المجلس الانتقالي الجنوبي باعتباره الحامل السياسي لقضية شعبه، والمدافع عن تطلعاته وهويته..
لقد كان المجلس الانتقالي، منذ نشأته، حاضراً في مختلف المنعطفات، ثابتاً على مواقفه، حامياً للأرض والهوية، ومعبّراً عن إرادة قطاع واسع من أبناء الجنوب ، ولم يكن ذلك مجرد شعارات، بل تجسد في ممارساته على الأرض، خصوصًا في تعامله مع الأحداث الأخيرة في حضرموت والمهرة، حيث اختار طريق الصبر والحكمة، وسعى إلى إيجاد توازن دقيق بين عدم التفريط في الثوابت وعدم الانزلاق إلى صدامات مفتوحة قد تجرّ المنطقة إلى مزيد من الفوضى، رغم ماتعرضت له قواته هناك من طعنة غائرة من حليف ضنّ الجميع انه الظهر والسند فخاب ذاك الضنّ مع أول طلعة جوية لسلاح الجو الملكي.
وفي واحدة من أكثر اللحظات حساسية، تجلّت شجاعة القرار حين فضّل المجلس الانتقالي سحب قواته وعتاده من عدن، رغم ما كان يمتلكه من قوة كبيرة تمكّنه من خوض مواجهات طويلة. لم يكن ذلك انسحاب ضعف، بل قرار مسؤول يهدف إلى تجنيب العاصمة وأهلها ويلات الحرب وسفك الدماء. كان بإمكانه أن يقاتل لأشهر، لكنّه اختار أن ينتصر للوطن والإنسان، وأن يضع حياة الناس فوق أي حسابات أخرى.
وهذه شجاعة من نوع مختلف، شجاعة القرار الصعب الذي يحفظ ما تبقى من الاستقرار ويمنع الانهيار.
وفي المقابل، فإن ما نشهده مؤخراً من تضييق على العمل السياسي السلمي، واستهداف للمجلس الانتقالي وتشويه رموزه وحجز قياداته، ومطاردة نشطائه، وإغلاق مقراته، ومحاولات إقصائه أو حلّه، ومصادرة حق الناس في التعبير عن آرائهم، يمثل عودة مُقلقة إلى ممارسات الماضي التي ظنّ الجميع أنها أصبحت من التاريخ.
إن التضييق على الصوت الشعبي ومحاولة كسره لن يؤدي إلا إلى نتائج عكسية، فقد أثبتت التجارب أن إرادة الشعوب لا تُقهر.
لقد مرّ شعب الجنوب بمراحل قاسية، واجه خلالها أنظمة قمعية لم تستطع، رغم قوتها، أن تكسر عزيمته أو تغيّر قناعاته. فقد رحل عفاش ونظامه ومعه أولئك الذين راهنوا على القوة والقمع، وبقي شعب الجنوب متمسكاً بثوابته، شامخاً بمبادئه، واليوم من يظن أنه قادر على إعادة إنتاج تلك التجارب، إنما يسير في طريقٍ محفوف بالفشل والخسارة كل الخسارة.
إن راية الجنوب ( علم الجنوب) ليست مجرد رمز عابر، بل هي تاريخ من التضحيات والدماء، تحت هذه الراية، واجه أبناء الجنوب الغزاة في عام 2015، وقبل ذلك حملها الأحرار في مسيراتهم السلمية منذ عام 2007، حيث كان الشهيد يسقط ليحملها من بعده شهيد آخر، في مشهد يجسّد عمق الإيمان بالقضية والاستعداد للتضحية من أجلها. ولهذا، فإن الاستهانة بهذه الرمزية أو التقليل من شأنها او محاولة انزلها، هو استهانة بمشاعر شعب كامل وتاريخه وتضحياته، وسيواجه برد شعبي حازم.
إن شعب الجنوب، رغم كل ما يواجهه، لا يزال حريصاً كل الحرص على وحدة صفه وتماسك نسيجه الاجتماعي، ويتحمل الكثير من الوجع والقهر في سبيل الحفاظ على هذه القيم، لكنه في الوقت ذاته شعب يعرف حدوده وثوابته، ولا يمكن أن يقبل بتجاوزها، فالصبر مهما طال، له حدود، وإذا ما تم تجاوز الخطوط الحمراء، فإن الأمور قد تتجه إلى مسارات لا تُحمد عقباها.
من هنا، فإن رسالتنا واضحة للاشقاء في المملكة وللداخل ايضاً، ونقول فيها : احترام إرادة الناس، والاعتراف بحقهم في التعبير السلمي عن قناعاتهم، هو الطريق الوحيد لتجنب التصعيد، كما أن إعادة تصحيح بوصلة المسار الحالي ، عبر مسار آخر تكون ارادة الشعب وصوته وممثله حاضراً فيها بعيداً عن الوصاية والتبعية وفرض الخيارات من الخارج، وننصح بالتعامل بجدية مع مطالب شعب الجنوب، كل ذالك بات ضرورة ملحّة لتفادي صدامات لا تخدم أحدًا.
إن الشعوب قد تصبر، لكنها لا تنسى، وهي قد تعطي الفرص، لكنها لا تفرّط بحقوقها. ومن يقرأ تاريخ الجنوب جيداً ، سيدرك أن الوفاء متجذر في هذا الشعب، لكنه أيضاً يحمل ذاكرة لا تغفل من خذله أو حاول كسر إرادته.
وفي النهاية، يبقى الأمل معقوداً على الحكمة، وعلى إدراك الجميع أن لا قوة يمكن أن تنتصر على إرادة شعب يؤمن بقضيته، ويتمسك بحقوقه، ويستعد للدفاع عنها مهما طال الزمن.