بن همدان يكتب: فن الإصلاح بين الناس: ركيزة من ركائز السلام المجتمعي

عمر بن همدان
الخلافات والنزاعات جزء لا يتجزأ من الطبيعة البشرية؛ فالناس بطبيعتهم يختلفون في طباعهم، ومصالحهم، ووجهات نظرهم. ما لم يكن بالضرورة أمرًا مكروهًا، فالتنوع في الرأي يمكن أن يكون مصدر إثراء وتطور. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول هذه الخلافات إلى نزاعات حادة، تقطع أواصر المحبة، وتزرع بذور العداوة والبغضاء. هنا يبرز دور المصلحين، الذين جعلهم الله خيرًا للمجتمع، حيث قال تعالى: “لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ” (النساء: 114).
في هذا المقال، سنتناول أسباب الخلافات بين الناس، وكيفية تعامل المصلح الحكيم مع الأطراف المتنازعة للوصول إلى أرضية مشتركة من الصلح.
أولاً: الأسباب الجذرية للخلافات
لفهم كيفية الإصلاح، يجب أولاً تشخيص الداء. تتنوع أسباب الخلافات، لكنها تندرج بشكل رئيسي تحت الأسباب التالية:
1. سوء الفهم (الفجوة في التواصل): يعتبر السبب الأكثر شيوعًا. فكلمة غير موفقة، أو رسالة أسيء تفسيرها، أو عدم وضوح النوايا، يمكن أن تتضخم بفعل الظنون والتكهنات لتصبح قضية كبرى. قال النبي ﷺ: “إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث” (متفق عليه).
2. الأنانية وتضارب المصالح: عندما يغلب حب الذات والرغبة في تحقيق المنفعة الشخصية على حساب الآخرين، ينشأ التصادم. سواء كان النزاع على مال، أو منصب، أو اعتراف بالفضل، فإن تغليب المصلحة الفردية على المصلحة المشتركة يؤدي إلى الاحتراق.
3. الغرور والتعصب للرأي: من أخلاق الجاهلية أن يرى الإنسان نفسه أفضل من غيره، أو يعتبر رأيه هو الصواب المطلق ورأي الآخرين هو الخطأ المحض. هذا التعصب يحول النقاش الهادف إلى صراع عقيم.
4. تدخل الغير (نقل الكلام): يُعرف هذا في ثقافتنا بـ”الوشاية” أو “نميمية”. نقل كلام شخص إلى آخر بطريقة مشوهة، أو إضافة تفسيرات خبيثة، يعتبر قنبلة موقوتة تدمر العلاقات. قال النبي ﷺ: “لا يدخل الجنة نمام” (متفق عليه).
5. تراكم المشاعر السلبية: قد لا يكون الخلاف الأساسي كبيرًا، لكن تراكم الخيبات الصغيرة، وعدم معالجة الزلات، يجعلان أي حادث بسيط شرارة لانفجار كبير.
ثانيًا: صفات المصلح الناجح
ليس كل من يتوسط بين الناس ينجح في مهمته. المصلح الناجح يحتاج إلى أدوات وصفات خاصة، منها:
· الحكمة والتؤدة: لا يستعجل في إصدار الأحكام، ولا يتسرع في نقل الكلام. يتأنى في فهم جذور المشكلة.
· الحياد والعدل: يشعر الطرفان بأنه ليس منحازًا لأحدهما ضد الآخر. العدل في الإنصات، وفي نقل وجهات النظر، وفي الاقتراحات.
· الصبر وكتم السر: أسرار الناس أمانة، ولا يمكن أن ينجح المصلح إذا كان لا يحفظ السر أو يفشي بما ائتمن عليه.
· حسن الظن: يبدأ بافتراض حسن النية في كلا الطرفين، ويعمل على تعزيز هذا المبدأ بينهما.
· اللين والرفق: الكلمة الطيبة والابتسامة واللين تفتح القلوب المغلقة. قال النبي ﷺ: “إن الرفق لا يكون في شيء إلا زانه، ولا ينزع من شيء إلا شانه” (رواه مسلم).
ثالثًا: كيفية تعامل المصلح مع الأطراف المتنازعة
تمر عملية الإصلاح بمراحل دقيقة، يحتاج المصلح فيها إلى اتباع خطوات مدروسة:
1. مرحلة الاستماع المنفرد (اللقاءات الانفرادية):
يبدأ المصلح بلقاء كل طرف على حدة. الهدف هنا ليس سماع الشكاوى فقط، بل تفريغ شحنة الغضب. يجب أن يشعر كل طرف بأنه مسموع ومفهوم. خلال هذه الجلسات، يقوم المصلح بما يلي:
· التأكيد على أن هدفه الخير: يوضح للمتنازع أن هدفه هو لم الشمل وإزالة الضغينة، وأنه يسعى للمصلحة العامة.
· تخفيف حدة الغضب: عبر التعاطف مع مشاعره، ولكن دون تأييده في كل ما يقول.
· تذكيره بمحاسن الطرف الآخر: يذكر المصلح كلا الطرفين بمواقف الخير والجميل التي جمعته بالآخر، وبأواصر القربى أو الصداقة أو الجوار التي تجمعهما.
· معرفة المطالب الحقيقية: يستكشف ما هو المطلب الأساسي غير القابل للتفاوض، وما هي الأمور التي يمكن التنازل عنها.
2. مرحلة ضبط الإطار وتحويل المسار:
هنا يبدأ المصلح في تحويل مسار التفكير من التركيز على “الماضي” (من المخطئ؟ من بدأ؟) إلى التركيز على “المستقبل” (كيف نصلح؟ كيف نعيش معًا؟). يقوم بـ:
· إزالة الغبن: يشرح لكل طرف وجهة نظر الآخر بطريقة محايدة وموضوعية، مما يزيل سوء الفهم المتبادل. “فلان قال كذا، لكنه لم يقصد إهانتك، بل كان يقصد كذا”.
· تغيير لغة الخطاب: يحول لغة الاتهام (“أنت فعلت”) إلى لغة الشعور (“أنا شعرت بأن”)، مما يقلل من حدة التصادم.
· التركيز على القواسم المشتركة: يذكر الطرفين بالأهداف المشتركة التي تجمعهما (مصلحة الأبناء، استقرار الأسرة، استمرار العمل، رضا الله).
3. مرحلة الجمع والحسم:
بعد أن يشعر المصلح بأن الأرض مهيأة، يجمع الطرفين في جلسة واحدة، أو يقوم بالنقل بينهما (الدبلوماسية المكوكية) للوصول إلى اتفاق. في هذه المرحلة:
· يبدأ بالثناء والشكر: يبدأ الجلسة بالثناء على حكمة الطرفين ورغبتهما في الإصلاح.
· يطرح الحلول الوسط: يقدم مقترحات تحقق قدرًا من المطالب للجميع، مع التركيز على أن التنازل المتبادل هو عنوان القوة وليس الضعف.
· يذكر بفضل الصلح: يستحضر النصوص الدينية والحكم الاجتماعية التي تمدح العافين والمتسامحين. قال تعالى: “وَالصُّلْحُ خَيْرٌ” (النساء: 128).
· إبرام الاتفاق: لا يكتفي بالكلام العابر، بل يثبت الاتفاق إما بتسجيله بشكل واضح، أو بالمصافحة والالتزام العلني بالصفح وطي الصفحة.
رابعًا: آداب يجب أن يتحلى بها المصلح
· الصدق: لا يجوز له الكذب لتقريب وجهات النظر، لكن يمكنه استخدام “تأويل الكلام الطيب” أي تفسير الكلام بأحسن محمله. كما ورد عن النبي ﷺ: “ليس الكذاب الذي يصلح بين الناس، فينمي خيرًا أو يقول خيرًا” (متفق عليه). هذا يعني حسن العرض، وليس اختلاق الأكاذيب.
· الستر: يجب أن يستر ما اطلع عليه من عورات أو أخطاء، فالمصلح أمين.
· عدم اليأس: قد لا ينجح الإصلاح من المرة الأولى. المصلح الناجح لا ييأس، ويعيد المحاولة بأسلوب جديد وفي وقت مناسب.
في الختام
الإصلاح بين الناس ليس مجرد “فضيلة” نادرة، بل هو ضرورة اجتماعية وأخلاقية ودينية. هو عمل الأنبياء والصالحين، وهو من أحب الأعمال إلى الله. في زمن كثرت فيه وسائل التواصل التي قد تزيد الخلافات اتساعًا، تبرز الحاجة إلى مصلحين حكماء، يحملون راية السلام، يسعون بين الناس بالخير، ليعيدوا بناء الجسور التي هدمتها الكبرياء وسوء الفهم. فلنكن جميعًا، كل في موقعه، ساعيًا للإصلاح، ولتكن كلمتنا دائمًا: “يا أيها الناس، اتقوا الله وأصلحوا ذات بينكم”.
وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.