شهود عيان يكذبون “عدن الغد”: جولد مور كانت مكتظة منذ عهد المجلس الانتقالي ولا قيود

/تقرير/خاص
في مشهد اعتادت عليه العاصمة عدن خلال الأعياد والمناسبات، تدفقت أعداد كبيرة من الزوار إلى سواحل جولد مور في مديرية التواهي، للاستمتاع بأجواء عيد الفطر المبارك. لكن ما حدث بعد ذلك كشف عن ممارسة صحفية هزت ثقة المتابعين في واحدة من وسائل الإعلام المحلية.
خلال ثالث أيام العيد، نشرت صحيفة “عدن الغد” خبرًا تحت عنوان “جولد مور تعود للحياة.. آلاف الزوار يتدفقون إلى سواحل التواهي بعد سنوات من القيود”، وأرفقته بصورة تُظهر اكتظاظًا بشريًا كبيرًا على الشاطئ. النص تحدث عن فرحة المواطنين بعودة الحياة إلى المكان بعد سنوات من المنع، وذكر شهادات لزوار يصفون لحظة “العودة” بأنها استثنائية.
لكن سرعان ما انقلبت الصورة، ليس على الشاطئ بل في قلب الحدث الإعلامي نفسه.
صورة من الماضي تفضح الحاضر
فور نشر الخبر، بدأت التعليقات تتدفق على صفحة الصحيفة في الفيسبوك، لكنها لم تكن كما توقع القائمون على النشر. بدلًا من أن تكون التعليقات امتدادًا للفرحة التي صورها الخبر، تحولت إلى ساحة لكشف تناقض صارخ.
علق أحد المواطنين، ويدعى أنس حسن، قائلًا: “الصورة المستخدمة لا تعكس الواقع الحالي لساحل جولد مور. صحيفة عدن الغد صحيفة الكذب والكيد قبحهم الله. وساحل جولد مور يكتظ بالزوار في المناسبات دائما منذ عهد المجلس الانتقالي الجنوبي”.
تعليق آخر حمل توقيع المواطن أحمد صالح، الذي قال: “شهادة لله أنا من سكان عدن ولا أنتمي لأي طرف سياسي، كل ما أشتي أروح جولد مور أي وقت حتى الفجر بروح براحتي، لا قيود ولا أحد يكلمني. وكانت الزحمة في الجمعة وأيام الإجازة أكثر من الآن”.
أما المواطن سالم العبادي، فذهب إلى أبعد من ذلك بقوله: “احقر صحيفة، جولد مور على مدار السنوات الماضية مكتظة بالزوار ولا في أي قيود، كل أسبوع وكل عيد نروح”.
هذه التعليقات لم تكن مجرد آراء عابرة، بل حملت في طياتها اعترفًا ضمنيًا بأن الصورة التي استخدمتها الصحيفة لا تعكس الواقع الحالي لسواحل جولد مور. وبحسب متابعين، فإن الصورة تعود إلى عام 2017، وهو العام الذي كان فيه عيدروس الزُبيدي محافظًا لعدن.
“معجزة” الزمن في جولد مور
الصورة المنشورة تبين أن الصحيفة وثقت حدثًا اليوم بصورة التُقطت قبل تسع سنوات كاملة. ووفق الصورة، يبدو أن الزوار أنفسهم قرروا العودة بعد كل هذه السنوات دون أن يغيروا مواقعهم أو خيامهم أو حتى أماكن جلوسهم على الشاطئ.
فالخيمة الخضراء التي ظهرت في الصورة عام 2017 ما زالت في مكانها الدقيق في الصورة المنشورة اليوم، ونفس العائلات اختارت الوقوف في المواقع ذاتها، بل إن بعض السباحين حافظوا على مواقعهم داخل المياه، وكأنهم ينتظرون فقط موعد إعادة النشر ليعودوا إلى الحياة مجددًا.
هذه “المعجزة الإعلامية” الفريدة من نوعها تطرح تساؤلات جوهرية: إذا كان هناك بالفعل توافد للزوار اليوم، فلماذا تم اللجوء إلى صورة من تسع سنوات مضت لتوثيقه؟
تضليل بصري أم خطأ مهني؟
ما حدث في “عدن الغد” ليس مجرد زلة عابرة، بل يفتح الباب أمام تساؤلات جوهرية حول المصداقية والمهنية في العمل الصحفي.
الصحيفة، التي استخدمت صورة قديمة لتوثيق حدث جديد، انتهكت أبسط قواعد العمل الصحفي التي تقضي بأن تكون الصورة وثيقة للحدث الذي يتم التغطية عليه، وليست أداة لتجميل السردية أو تزييف الوقائع.
وبما أن الصحيفة لم تقدم أي صورة حقيقية للحدث المزعوم، فإن التساؤل يظل قائمًا: لماذا لم يتم توثيق الحدث الحقيقي؟ هل لأن الصورة القديمة كانت أكثر ازدحامًا؟ أم لأن الهدف كان خلق انطباع لا يتوافق مع الواقع؟
من المستفيد؟
الخبر الذي نشرته “عدن الغد” لم يكن مجرد نقل لحدث، بل حمل في طياته رسالة سياسية واضحة: الإيحاء بأن “القيود” التي كانت مفروضة على المنطقة في عهد المجلس الانتقالي الجنوبي قد انتهت، وأن هناك “انفتاحًا” جديدًا يستحق التوثيق.
لكن الصورة المستخدمة، التي تعود إلى عام 2017 (وهو العام الذي كان فيه الرئيس عيدروس الزبيدي محافظًا لعدن)، تكشف المفارقة: فبدلًا من توثيق الانفتاح المزعوم، أعادت الصحيفة نشر صورة من الفترة التي تحاول الإيحاء بأنها كانت مغلقة.
والأكثر إدانة أن شهود عيان من سكان المنطقة أكدوا أن سواحل جولد مور كانت مكتظة بالزوار في المناسبات بشكل دائم منذ عهد المجلس الانتقالي الجنوبي، وأنه لم تكن هناك قيود حقيقية تمنع الوصول إليها. هذا يعني أن الرواية التي حاولت الصحيفة بناءها لم تكن فقط مضللة، بل متناقضة مع الواقع الذي يعرفه أبناء عدن.
عندما تعجز وسيلة إعلامية عن تصوير الواقع، تلجأ أحيانًا إلى استدعاء الماضي لتوظيفه ضد خصومها السياسيين، وكأن الخيام القديمة قادرة دائمًا على تحسين صورة الحاضر أو تشويه صورة الماضي.
أين الحقيقة؟
في بلد يعاني من انقسام إعلامي وسياسي، تظل الحقيقة هي السلاح الأقوى. وعندما تتخلى وسيلة إعلامية عن الحقيقة، وتلجأ إلى التضليل البصري والتلاعب بالزمن، فإنها لا تضر بمصداقيتها فقط، بل تساهم في تشويه صورة الواقع الذي تعيشه المدينة.
ما حدث في “عدن الغد” هو نموذج واضح للممارسات التي تخلط بين الصحافة والتوجيه السياسي. الصحافة الحقيقية لا تحتاج إلى صور من الماضي لتزين بها حاضرًا لا تقوى على توثيقه. والجمهور الذي يُطلب منه تصديق خبر عن “عودة الحياة” له الحق في رؤية دليل حقيقي على هذه العودة، وليس صورًا مستعارة من عام 2017.
أي خبر لا يستند إلى توثيق صحيح، وأي صورة توضع خارج سياقها الزمني، لا يعدو أن يكون مجرد بيان سياسي مقنع برداء الصحافة