#مقالة ساخنة…علي سيقلي ..مواقف للإيجار، وضمائر للبيع

علي محمد سيقلي
في هذا الزمن المزدحم بالتحولات، لم تعد المواقف تُقاس بثباتها على المبدأ، بل بسرعة تبدّلها، ولا بالكلمات التي تُقال على منصات الظهور، بل بالجهة التي تُقال لأجلها.
أرثي لحال بعض إخوتنا في الله، لا لأنهم أخطأوا الطريق، بل لأنهم اختاروا أن يسيروا فيه وهم يدركون أنه أقصر الطرق إلى الجيب، لا إلى الحقيقة. أولئك الذين يكتبون لإسقاط واجب “البنكس”، لا يكتبون لأن لديهم ما يُقال، بل لأن لديهم ما يُدفع كل شهر. وبين القول والدفع، تضيع “الطاسة”، وتُباع القناعة بالعملة الصعبة.
ومع ذلك، لا أملك أن أكون قاسيًا في الحكم عليهم. فالحياة، كما نعرفها، لا ترحم. وبعضهم لم يكن يملك رفاهية الثبات، فاختار أن يُحسّن شروط بقائه، ولو على حساب ثوابتٍ كان بالأمس يتغنى بها. وهذا، وإن لم يُعجبنا، يظل جزءًا من طبيعة بشرية مأزومة، تبحث عن موطئ قدم في أرضٍ تميد بمن عليها.
لكن المعضلة الحقيقية، ليست هنا.
المعضلة في أولئك الذين لا يشبعون. وأخص بالذكر الذين جرّبوا كل الموائد، ولم يرتووا. الذين كانوا بالأمس القريب يُحسبون على جهة، يأكلون من خيرها، ويتدثرون بخطابها، ويصعدون على أكتافها، ثم فجأة، انقلبوا عليها، لا لأنهم اكتشفوا خطأً، ولا لأن ضمائرهم استيقظت، بل لأن “الموقع” تغيّر، و”السعر” تحسّن، و”العرض” أصبح أكثر إغراءً، وفي متناول “سد الحنك”.
هؤلاء لا يمكن تفسيرهم بالحاجة، بل بالجشع.
هم لا يبحثون عن موقف، بل عن مساحة نفوذ. لا يكتبون بدافع القناعة، بل بدافع التموضع. وكلما تغيّرت موازين القوى، أعادوا ترتيب أوراقهم، وكأنهم لم يكونوا يومًا جزءًا من المشهد الذي يهاجمونه اليوم.
ثم هناك فئة أخرى، تعيش في ماضٍ لم يعد موجودًا، لكنها ترفض أن تغادره. أسرى عقدة العشر سنوات. يكتبون وكأن الزمن توقّف عند لحظة واحدة، وكأن ما قبلها كان فردوسًا مفقودًا، وطريقا معبدًا إلى الجنة ونعيمها، وما بعدها خطيئة لا تُغتفر. لا يرون الحاضر، ولا يقرؤون الواقع، بل يعيدون تدوير الحكاية ذاتها، بوجوه مختلفة، ومنشورات متشابهة.
هؤلاء لا يقاومون الحاضر، بل يهربون منه.
وفي خضم هذا كله، يبقى السؤال معلقًا: من يكتب للوطن؟ ومن يكتب للمرحلة؟ ومن يكتب ليعاقب نفسه على سنوات عاشها من دون ريحة البنكس؟
ليست المشكلة في أن تختلف المواقف، فذلك حق مشروع، بل ضرورة. لكن المشكلة حين يصبح الاختلاف مجرد وسيلة للعبور، لا موقفًا يُدافع عنه. حين تتحول الكتابة من مسؤولية إلى وظيفة، ومن رسالة إلى صفقة.
حينها، لا يعود القارئ أمام رأي، بل أمام إعلان.
ولا يعود الكاتب صاحب قضية، بل صاحب عرض مغري لا يقاوم.