اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

أسرار الرياض: شهادة وزير تفتح الملف المسكوت عنه

كتب: علي سيقلي

في السياسة، ليست كل التصريحات متشابهة. بعضها يمر مرور العابرين، وبعضها يفتح أبوابًا ظلت موصدة طويلًا. والتصريح الذي أدلى به اللواء سالم عبدالله السقطري مؤخرًا، يدخل في الفئة الثانية؛ لأنه لا يتحدث فقط عن موقف شخصي، بل يلمس جوهر العلاقة المختلة التي ظل كثيرون يلمّحون إليها ويتجنبون قولها بصوت مرتفع.
عندما يقول وزير في الحكومة اليمنية إنه لن يعود إلى الرياض مرة أخرى، وإن ما جرى هناك كان تصرفًا “لا إنسانيًا وغير مقبول”، فنحن أمام شهادة سياسية من داخل المنظومة نفسها. شهادة تحمل في طياتها ما هو أبعد من كلمات الغضب، لتكشف عن حجم الضغوط التي يمكن أن تُمارس خلف الأبواب المغلقة، حيث تُكتب القرارات الكبرى أحيانًا بعيدًا عن إرادة أصحابها المفترضين.
المسألة هنا لا تتعلق فقط بواقعة توقيع أو رفض توقيع، بل بسؤال أعمق ظل يلاحق المشهد السياسي الجنوبي واليمني عمومًا: إلى أي مدى تُصنع القرارات في الداخل، وإلى أي مدى تُفرض من الخارج؟
وهنا يصبح تصريح السقطري مهمًا، لأنه يضع هذا السؤال على الطاولة من داخل السلطة نفسها، لا من خارجها.
الحديث عن إجبار مسؤولين على التوقيع على قرارات تمس كيانات سياسية بحجم المجلس الانتقالي الجنوبي – كما ورد في التصريح – يفتح بابًا واسعًا للنقاش حول طبيعة العلاقة بين الحلفاء، وحدود التأثير السياسي، وأين تنتهي النصيحة وأين يبدأ الضغط.
في التجارب السياسية، قد تختلف الدول الحليفة، وقد تمارس نفوذها، لكن الإشكالية تبدأ حين يشعر طرف ما أن كرامته السياسية قد مُسَّت أو أن قرارات مصيرية طُلب منه تبنيها تحت ضغط لا ينسجم مع قناعاته أو مع الإرادة التي يمثلها. عند هذه النقطة تحديدًا تتحول المسألة من خلاف سياسي إلى مسألة سيادة واعتبار.
ما قاله السقطري، بحدته ووضوحه، يعكس حالة احتقان مكتومة ظلت تتشكل في خلفية المشهد خلال السنوات الماضية. وربما لهذا السبب وجد التصريح صدى واسعًا، لأنه عبّر عن شعور موجود لدى شريحة من المتابعين والسياسيين الذين يرون أن كثيرًا من الملفات الكبرى لم تُدار بالشكل الذي يضمن الشراكة المتكافئة.
لكن في المقابل، تبقى السياسة مساحة معقدة، تتداخل فيها المصالح والتحالفات والضرورات. والتصريحات الحادة، مهما كانت صادقة، تضع الجميع أمام اختبار مهم: هل سيتم التعامل معها باعتبارها لحظة انفعال سياسي، أم باعتبارها إشارة تحتاج إلى مراجعة أعمق لطبيعة العلاقة بين الأطراف المختلفة؟
الأكيد أن مثل هذه التصريحات لا تمر بسهولة في سياق إقليمي شديد الحساسية. فهي تطرح أسئلة أكثر مما تقدم إجابات، وتكشف أن ما يجري خلف الكواليس أحيانًا أكبر بكثير مما يصل إلى العلن.
وفي النهاية، قد لا يكون أهم ما في تصريح الوزير هو الغضب الذي حملته كلماته، بل الرسالة التي يمكن قراءتها بين السطور: أن السياسة، مهما تعقّدت، لا يمكن أن تُدار طويلًا بمنطق الإكراه، وأن الاحترام المتبادل بين الحلفاء ليس ترفًا دبلوماسيًا، بل شرطًا أساسيًا لاستمرار أي شراكة سياسية.
وربما لهذا تحديدًا، تحوّل تصريح عابر إلى حدث سياسي لافت… لأنه ببساطة قال ما كان كثيرون يعتقدون أنه لن يُقال.

الخميس 19 مارس 2026م

زر الذهاب إلى الأعلى