اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

مظاهرات الجنوب الغاضبة: بين تجديد التفويض وتأكيد قرار المصير

كتب/د. أمين العلياني

ما أن بدأت أشعة شمس اليوم في التواري حتى انبعثت شعلةٌ جديدة في سماء الجنوب، معلنة زئيرًا بشريًّا هادرًا، جسدته حشودٌ غاضبة تدفقت كالسيل العرم في ساحات حضرموت وعدن وقبلها لحج والضالع وسقطرى، لتحمل في قلب الساحات وشوارع المدن رسالةً مدوية إلى العالم والإقليم: إنَّ صوت الجنوب لم يَخْبُ، وإرادته لم تَنْثَنِ مهما كانت المؤامرات وحاكت الممارسات وتلوت المماطلات في الاعتراف بالحق المصيري في استعادة دولة الجنوب كاملة السيادة.

إنها الإدارة الشعبية الغاضبة في الساحات اليوم باتت حركة تاريخية تنطلق كموجةٍ لا تقف عند حدود، لتصل غدًا إلى أبين وشبوة وبعدها إلى المهرة، في سلسلةٍ بشريةٍ واحدة، متكاملة الصوت، موحّدة النداء مجسدة الهوية وراسمة الحدود من المهرة شرقًا إلى باب المندب غربًا.

لقد خرجت اليوم جماهير شعبنا الجنوبي الغَصْب بمظاهرات حاشدة، لتنقش على جدار الزمن حقيقةً لا تقبل التجزئة: أنَّ استعادة دولة الجنوب كاملة السيادة ليست خيارًا مطروحًا للمسايرة والمساومة، بل هو قَدَرٌ محتومٌ تحدده إرادة شعبٍ عَرف معنى الحرية ورضع ماء الكرامة، ولم يعد ليسمحَ بمصادرة حقه في تقرير مصيره واستعادة دولته المستقلة كاملة السيادة. قائلًا هنا، في هذه الساحات، تتجسد المطالب المصيرية الوجودية، وتُختزل هوية شعب وعدالة قضية تجسدت في إرادة شعبية واحدة تقول للعالم والإقليم أجمع: الشعب هنا هو من يرفع سقف الحل، وهو يحدده وهو من يرسم بخطوط غضبه حدود الموقف ويقول بأن الهوية والسيادة حلًا لا رأيًا ويعلن خيار المصير الذي لا يمكن لأحد تجاوزه.

ومن جهة أخرى، فإن هذه الحشود الغاضبة، المتلاحقة كأمواج البحر، ترفع صوتًا واحدًا يعلو فوق ضجيج الأجندات والمفاوضات في الغرف المغلقة قائلة: المجلس الانتقالي هو مشروعنا الذي نحمله، وهو رايتنا السياسية ورافعة مشروعنا التحرري، ولا نسمح لأحد أن يلغيَ وجوده أو يدعيَ حله وإلغاءه، وليس هذا فحسب، بل إنها تُجدد التفويض للرئيس عيدروس الزبيدي قائدًا لهذه التطلعات، حاميًا لهذه الآمال والإرادات، في خطابٍ شعبيٍّ واضح: إن هذا التفويض نابع من إرادة شعبية خالصة، لا تسمح لأي كان أن يَغُلَّه أو يُزَيِّفَه أو ينقض عراه أو يتقول عليه زورًا أنه مصنوع بتقنيات الرقمية وبرامج الاحتراف، وتطبيقات التقنية الصناعية.

إن الجنوب بإرادة حرة، وشموخ يعانق السماء وثبات على مبدأ الدم ودرب الشهداء، يعلن للعالم والإقليم أن طريق الحرية لا يُعبَّد بالتنازلات، وأن لغة المصير الحقيقية هي لغة الإرادة والصمود متيقنًا من أن الحلول المبتسرة، والحوارات التي تنتقص من الخيار الوحيد المقبول—وهو استعادة الدولة بكامل سيادتها—ليست سوى سرابٍ في عقول الغزاة والمتخاءذلين، سراب لا يَرْوِي ظمأ العدالة، ولا يُسَكِّنُ جرح الكرامة ولا يجسد مداميك الهوية وقداسة السيادة.

لقد كتبت أقدام المتظاهرين اليوم على تراب الجنوب في أغلب محافظاته فصلًا جديدًا من فصول النضال الحضاري، فصلٌ يقول: إن التاريخ يُصنع في الساحات قبل أن يُكتب في الوثائق وإن مصير الجنوب لا يُفاوض عليه فوق طاولات المصلحة، بل يُصنع هنا، في ساحات العزّة، تحت سماء الحرية وقداسة تراب الهوية والسيادة؛ فالتحية العظيمة لجماهير جنوبنا الشامخ، والسلام لشعبنا الرافض من أن يكون رقمًا أصفرًا في صفحات التزوير ومعادلة الآخرين، ويصرُّ على أن يكون صانعًا لمصير كامل السيادة وناجزًا لمشروع الاستقلال في استعادة الدولة، حارسًا للكرامة، ومُجدِّدًا لعهد الدم ووعد الشهيد والسير على الدرب والفداء لأجل الأرض والتضحية لتحقيق الهوية ومداميك الانتصار.

زر الذهاب إلى الأعلى