اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

محمد علي في مقالته: هيبة الحجر تصفع زيف الزجاج

محمد علي محمد أحمد

 

ليست تلك الصورة مجرد لقطة عابرة لمبنى قديم، بل هي وثيقة إدانة تاريخية تصفع وجوه كل من يحاول اليوم القفز فوق أسوار الزمان، انظروا إلى هذا البنيان الشامخ، تأملوا الرقم المنحوت بفخر على جبينه (1939م)، في هذا العام، كانت عدن “درة الشرق” قد وضعت لمساتها المدنية الأخيرة، وتدير شؤونها بالبريد، والصحافة، والقوانين الصارمة، بينما كانت جغرافيا المنطقة من حولها لا تزال تبحث عن ملامح الخريطة، ​وبينما كانت عدن تسحر عيون ناظريها بمعمارها البديع الذي يكسوا حواريها ومدنها الراقية مثل “التواهي” و”كريتر” وغيرها، وتستقبل السفن من أقاصي الأرض، أين كان أولئك الذين يحاولون اليوم رسم مستقبلنا بأقلامهم الملونة؟
ف​عواصمهم لم تكن سوى خيامٍ يذروها الرمل، أو واحات تنتظر “بشرى” النفط لتخرج من طي النسيان، و​هويتهم كانت لا تزال في طور التشكل، بينما كانت عدن قد حسمت هويتها كعاصمة للتعدد، والثقافة، والمدنية.

و​المفارقة المضحكة المبكية، هي أن تلك “الدويلات” التي ولدت بالأمس على هامش التاريخ، تحاول اليوم ممارسة دور “الوصي” على مدينة كانت تملك نظاماً إدارياً وقضائياً وبورصة عالمية قبل أن يعرفوا هم معنى “الدولة”،
إنهم لا يلعبون “علينا”، بل يلعبون في الوقت الضائع من هيبتهم، محاولين استغلال جراح مدينة أرهقتها الحروب، لكنها لم تفقد يوماً “جينات” السيادة.

​إن الفرق بين عدن وبينهم هو الفرق الجوهري بين “النمو” و”الارتقاء”؛ هم نموا بالمال والنفط فجأة كفطرٍ بريٍّ، أما عدن فارتقت بالثقافة والمدنية عبر القرون كشجر الأرز، هذا المبنى المؤرخ بناؤه في العام (1939) ليس مجرد حجارة ونوافذ مقوسة، بل هو صرخة في وجه كل “وكيل” إقليمي يحاول أن يفرض وصايته على “أصيل” ضارب الجذور.

​عدن التي كان ميناؤها ينافس لندن ونيويورك في وقتٍ كان فيه الآخرون يتنازعون على آبار الماء ومراعي الإبل، لن تكون يوماً حديقة خلفية لمن يظنون أن ناطحات الزجاج اللامعة تمنح أصحابها عراقة التاريخ أو حق الوصاية.

أخيراً أقول​ لـ رعاة الحداثة المتأخرة..
إن الحجر الذي بُنيت به عدن في الثلاثينيات هو ذاته الحجر الذي سيتحطم عليه غرور “المال السياسي”، عدن ليست ساحة للتجارب، ولا ملحقاً لمشاريع التوسع، ولا حقلاً نفطياً يتم التحارب عليه، فمن كان لديه هذا الشموخ المعماري والمدني، لا يحتاج لدروس في الحضارة ممن لم يعرفوا الإسمنت إلا في السبعينيات، و​التاريخ لا يُشترى بالدولار، والسيادة لا تُستورد في الحاويات، فـ عدن كانت، وستبقى شامخة شموخ الجبال والقلاع، أمام كل طامع ومحتل ، عصية على الابتلاع

زر الذهاب إلى الأعلى