#السعودية بين الإخوان والانتقالي: سياسة التوازن التي تشعل الجنوب بدل تهدئته

انور حزام
لم تعد سياسة السعودية في جنوب اليمن لغزًا، لكنها أصبحت معضلة. فبدل أن تُنهي حالة الصراع، تبدو الرياض وكأنها تُديرها، وبدل أن تحسم المشهد، تُبقيه معلقًا في منطقة رمادية تُغذّي التوتر أكثر مما تُنتج الاستقرار.
منذ سنوات، تتعامل السعودية مع الجنوب بعقلية “التوازن بين الخصمين”: المجلس الانتقالي الجنوبي من جهة، وحزب الإصلاح (الإخوان المسلمين في اليمن) من جهة أخرى. هذه السياسة لم تأتِ من باب القناعة، بل من باب الخشية من الحسم. فالحسم يعني واقعًا سياسيًا جديدًا في الجنوب لا يمكن التحكم به عبر أدوات التحالف التقليدية لكن الجنوب اليوم ليس جنوب الأمس.
هناك قوة سياسية منظمة تملك حضورًا جماهيريًا واسعًا، وخطابًا واضحًا، وقدرة على فرض الوقائع ميدانيًا. وهناك مزاج شعبي متماسك يرفض عودة نفوذ قوى الشمال إلى الجنوب عبر واجهات حزبية. وهناك واقع أمني وعسكري تشكّل خارج حسابات الرياض وأصبح حقيقة قائمة. والأهم من ذلك، هناك هوية سياسية جنوبية تتبلور يومًا بعد يوم خارج الإطار اليمني التقليدي.
ورغم ذلك، ما زالت السعودية تتصرف كما لو أن الجنوب مجرد ساحة يمكن إدارتها عبر توزيع النفوذ، لا قضية سياسية تمضي نحو حسم تاريخي.
وجود الإصلاح في مفاصل السلطة المحلية في بعض المحافظات الجنوبية لم يُقرأ جنوبيًا كتنوع سياسي، بل كاستمرار لمحاولة إعادة إنتاج الهيمنة الشمالية بثوب جديد. وهنا بدأت فجوة الثقة بين الشارع الجنوبي والرياض تتسع، لأن ما تراه السعودية “توازنًا”، يراه الجنوبيون “إعاقة متعمدة للحسم”.
الانتقالي من جانبه لم يدخل في مواجهة مفتوحة مع الرياض، بل راهن طويلًا على الحوار والرعاية السعودية. لكن استمرار هذه السياسة يضعه أمام معادلة صعبة: إلى متى يمكن الرهان على وسيط يُمسك العصا من المنتصف بينما الأرض تميل بوضوح في اتجاه واحد؟
المشكلة أن سياسة التوازن هذه لا تُنتج هدوءًا، بل تؤجل الانفجار. فهي تُبقي الجنوب في حالة شدّ دائم، حيث لا طرف قادر على الحسم، ولا طرف مستعد للتراجع، فيما تتراكم مشاعر الغضب الشعبي من تدخلات تُفهم على أنها تعطيل لمسار سياسي واضح.
السعودية تستطيع الاستمرار بهذه السياسة فقط طالما بقي الصراع تحت سقف منخفض، وطالما ظل الانتقالي يفضّل الحوار على التصعيد، وطالما بقي الإصلاح محتفظًا ببعض النفوذ الذي يمكن استخدامه كورقة ضغط. لكن هذه الشروط تتآكل مع الوقت.لأن الجنوب لا يتحرك اليوم في اتجاه إدارة التنافس الحزبي، بل في اتجاه حسم الهوية السياسية.
وعندما تصل هذه العملية إلى نقطة اللاعودة، لن يعود التوازن خيارًا ممكنًا، بل سيصبح عبئًا على السعودية نفسها، لأنها ستُصنّف في الوعي الجنوبي كطرف أعاق الحسم بدل أن يرعاه.
السؤال لم يعد: هل تدعم السعودية الإخوان في الجنوب؟السؤال الحقيقي هو: إلى متى تستطيع الرياض إدارة الجنوب بعقلية توزيع النفوذ بين خصمين، بينما الواقع يمضي بسرعة نحو معادلة سياسية لا تقبل القسمة؟