حقروص يكتب: فتحي بن لزرق.. حين يتحول الصحفي إلى أداة تضليل

صالح حقروص
أثارت مقابلة فتحي بن لزرق الأخيرة على قناة العربية موجة واسعة من الاستياء، ليس فقط بسبب ما احتوته من مغالطات وأكاذيب، بل لأنها عكست انحدارًا خطيرًا في الخطاب الإعلامي، حين يتحول الصحفي من ناقل للحقيقة إلى أداة لتشويه القضايا العادلة وتزييف وعي الرأي العام.
ففي تلك المقابلة، كشف بن لزرق عن موقف عدائي واضح تجاه القضية الجنوبية، تجلّى في ادعائه أن المجلس الانتقالي الجنوبي يشكل تهديدًا للمملكة العربية السعودية، متجاهلًا – عن قصد – أن وجود قوات المجلس في حضرموت والمهرة كان مقررًا منذ عام 2019 بموجب اتفاق الرياض الموقع بين الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي، وبرعاية وضمانة سعودية. فكيف يتحول تنفيذ اتفاق بضمانة الرياض إلى “تهديد” لها؟
الأخطر من ذلك، زعمه أن ما نُهب خلال عشر سنوات على يد المجلس الانتقالي يفوق ما نُهب من الجنوب منذ حرب 1994، وهو ادعاء يفتقر لأي سند واقعي أو رقمي. ويتجاهل بن لزرق حقيقة يعلمها الجميع، وهي أن تصدير النفط والغاز متوقف منذ قرابة عشر سنوات بسبب سيطرة الحوثيين، وهو ما حرم الجنوب من أهم موارده، وكان أحد أبرز أسباب الإخفاق الاقتصادي، لكنه تعمّد إسقاط هذه الحقيقة لأنها لا تخدم روايته.
كما حاول تضليل المشاهد بالحديث عن “عشر سنوات من سيطرة المجلس الانتقالي”، في حين أن الوقائع على الأرض تثبت أن محافظات كالمهرة وحضرموت لم تكن خاضعة للمجلس، وأن شبوة وأبين لم تدخل ضمن نفوذه إلا في أواخر عام 2022. هذا الخلط المتعمد بين الوقائع والتواريخ ليس خطأً مهنيًا بريئًا، بل أسلوب تضليل واضح.
هذه المقابلة لم تكن حالة فردية، بل تأتي ضمن سياق أوسع يفسر سبب التركيز على وجوه إعلامية محددة يتم استدعاؤها وإبرازها في قنوات بعينها، كالعربية والحدث، لتسويق خطاب واحد يخدم توجهات سياسية معينة، ويهمّش صوت الشارع الجنوبي الحقيقي.
وفي مفارقة لافتة، كانت مذيعة قناة العربية رشا نبيل أكثر صدقًا حين أقرت بوضوح أن شعب الجنوب مظلوم، وأنه يطالب بالاستقلال. إلا أن بن لزرق حاول الالتفاف على هذه الحقيقة، عبر تصوير الاستقلال كخيار غير واقعي أو غير سليم، مستخدمًا أسلوب التخويف وتزييف الوقائع.
إن ما جرى ليس مجرد خلاف في وجهات النظر، بل هو تشويه ممنهج للقضية الجنوبية، ومحاولة لتصوير حامليها كناهبين وفاسدين، في مقابل تبييض تاريخ طويل من النهب المنظم الذي مارسه نظام صنعاء بحق الجنوب. بل وصل الأمر إلى التقليل من تضحيات الشهداء الذين قدموا أرواحهم دفاعًا عن حق شعبهم في استعادة دولته، وهو سقوط أخلاقي قبل أن يكون إعلاميًا.
ويعلم بن لزرق، أكثر من غيره، أن الموارد السيادية ليست بيد المجلس الانتقالي، وأنها مودعة في البنك الأهلي السعودي، وأن ما يُتاح للمجلس لا يتجاوز الفتات، ومع ذلك يصر على ترويج رواية مغايرة للحقيقة.
الخلاصة المؤلمة أن الخطر لا يكمن في الدجالين، بل حين يأتي التضليل من صحفي يدّعي الدفاع عن قضايا الناس وحقوقهم. فحين يسقط الإعلامي في مستنقع الكذب والتزوير، تصبح الحقيقة هي الضحية الأولى، ويصبح الرأي العام وقودًا لحروب الوعي.