هذيان الصمت وظل العزلة

عبدالناصر الراوحي
هذه ليست سكينة، بل ثقل. ثقل يكسو الروح كالغبار المخملي على أثاث لم يُلمس منذ زمن بعيد. حالة مزاجية لا تستطيع أن تسميها حزن صاف، ولا فرح واضح، بل هي بين بين؛ منطقة رمادية مُعلقة بين سماءين، كأنها ظهيرة خريفية طويلة لم تعد تعرف وجهتها.
الوقت هنا مادة لزجة تتمدد ببطء مخيف، تتيح للذاكرة أن تعيد تشكيل كل التفاصيل التي حاولت النسيان أن يطويها. الأفكار ليست صاخبة، بل همسات باردة تتسلل من شقوق الماضي، فتستقر في الوعي كقطرات الندى على زجاج مُتعب. القلب، بدوره، لا يخفق بعنف، بل ينبض بإيقاع راكد ومُتزن، كأنما يؤدي واجب أخير قبل استراحة طويلة.
تلك الوحدة اكتفاء مُرهَق. كأن الروح قد استهلكت كل طاقتها في مقاومة العالم، فعادت إليه لتستند على جدرانها الداخلية، تستمع إلى صدى نفسها في دهاليز الصمت.
كل شيء من حولي يبدو بعيد ومبهت، كصورة قديمة فُقدت ألوانها، أو كصوت آت من خلف ستارة سميكة.
أنا هنا، في المنتصف تمام، بين الرغبة في الانطلاق والرغبة في الذوبان. أراقب العالم بفتور مَن يمتلك كل الإجابات ولا يمتلك الرغبة في قولها.
إنه شعور التواجد الكامل والغياب التام في اللحظة ذاتها، سلام ثقيل، سلام يوشك أن ينكسر تحت وطأة الإحساس بالعمق. وكلما تعمقت، أدركت كم هو مرهق هذا الهدوء الذي لا يُفضي إلى شيء، سوى إلى مزيد من التأمل في ظل العزلة