معبر بلا إنسانية.. أطباء متطوعون يُمنعون من إنقاذ المرضى في الضفة

النقابي الجنوبي/خاص
رغم استيفاء الإجراءات الرسمية، أوقفت إسرائيل بعثة طبية أمريكية على معبر الكرامة ومنعتها من دخول الضفة الغربية، في خطوة تكشف كيف تتحول الاعتبارات الإنسانية إلى أوراق ضغط سياسي.
تقرير:
السميفع
في وقت سابق من هذا الأسبوع ، كان من المفترض أن يدخل الطبيبان الأمريكيان مريم السعدي وعمر شودري إلى الضفة الغربية لإجراء عشرات العمليات الجراحية في مستشفيات الخليل وبيت جالا، ضمن بعثة تطوعية أرسلتها منظمة “شفاء فلسطين” بدعوة رسمية من وزارة الصحة الفلسطينية. كانت الملفات الطبية جاهزة، والمرضى في انتظار طويل لأمل جاء من وراء البحر. غير أن الرحلة الإنسانية توقفت على بوابة الاحتلال، حين احتجز الجنود الإسرائيليون الطبيبين على معبر الكرامة، وأخضعوهما لاستجواب استمر أربع ساعات انتهت بقرار المنع من الدخول، رغم حصولهما على تصريح رسمي من “منسق أعمال الحكومة الإسرائيلية في المناطق”.
رواية الحادثة، كما نشرتها صحيفة هآرتس العبرية اليوم الخميس 13 نوفمبر 2025، بدت كأنها مشهد مكرر من البيروقراطية السياسية. فقد سأل الضباط الطبيبين عن أصولهما الباكستانية، ودقّقوا في حساباتهما على مواقع التواصل الاجتماعي، وطلبوا منهما الإفصاح عن أسماء المرضى الذين كانا سيعالجانهم. وعندما رفضا ذلك احترامًا لخصوصية المرضى، أُبلغَا أن تصريحهما لم يعد صالحًا، من دون تبرير مكتوب. خرج الاثنان من المعبر بخيبة وصدمة، بينما بقي المرضى في الضفة ينتظرون أطباءهم الذين لم يُسمح لهم بالوصول.
المحامي يوتام بن هيلل، الممثل القانوني للمنظمة، وصف ما جرى بأنه “منع تعسفي لا يستند إلى أساس قانوني”، مؤكدًا أن وزارة الشتات الإسرائيلية “تجاوزت صلاحياتها حين ألغت تصريحًا صادرًا عن الجيش”. ويرى أن الخطوة “تكشف ازدواجية السلطة في التعامل مع المنظمات الإنسانية”، موضحًا أن القانون الدولي الإنساني يلزم القوة القائمة بالاحتلال بتسهيل مرور البعثات الطبية لا تعطيلها.
الجهات الإسرائيلية برّرت المنع بأن منظمة “شفاء فلسطين” لم تحصل على مصادقة من وزارة الشتات، وأن نشاطها “قد يُستخدم لنزع الشرعية عن إسرائيل”. لكن هذه الذريعة، كما يقول المراقبون، لا تستند إلى أي دليل موثّق. فالمنظمة حديثة النشأة، تأسست في يناير 2024، وتُعنى بإرسال فرق طبية متخصصة إلى المناطق الفلسطينية المحاصرة وتنسيق نقل الأطفال المصابين للعلاج في الخارج. ومع ذلك، صُنفت “غير مصادق عليها”، وهو توصيف إداري مبهم تستخدمه السلطات الإسرائيلية لإيقاف أو تقييد أنشطة منظمات تعمل في الأراضي المحتلة.
في مستشفيات الخليل وبيت جالا، ظل الأطباء المحليون يتابعون أخبار المعبر على أمل أن يُسمح لزملائهم بالدخول. هناك، تُقاس آثار المنع بعدد الجراحات المؤجلة لا بعدد التصاريح المرفوضة. تقول الدكتورة مريم السعدي إن ما حدث “كان صادمًا، لأن كل الوثائق كانت قانونية والهدف إنساني بحت”، بينما يضيف الدكتور عمر شودري: “المرضى الذين كنا سنعالجهم ليسوا طرفًا في أي نزاع، لكن السياسة جعلتهم يدفعون الثمن.”
هذه الشهادات تسلّط الضوء على ما هو أبعد من الحادثة نفسها. فسياسة المنع، كما يراها محللون قانونيون، أصبحت وسيلة غير معلنة لإحكام السيطرة على المجال الإنساني في الأراضي الفلسطينية. إذ يتحوّل العمل الطبي، حين يمر عبر البوابات الإسرائيلية، إلى ملف أمني محتمل، ويُعامل الطبيب كعنصر سياسي لا كمهني إنساني. ويشير خبراء إلى أن هذا النمط من القرارات يجعل من المنظمات الإنسانية رهينة لموافقة وزارات ليست مختصة لا بالصحة ولا بالأمن، وهو ما يكرّس التداخل بين البعد الإداري والهيمنة السياسية.
من الناحية القانونية، يثير الحادث تساؤلات حول مدى التزام إسرائيل باتفاقيات جنيف الرابعة، التي تنص بوضوح على تسهيل المساعدات الطبية للسكان المدنيين تحت الاحتلال. فالتحكم في حركة الأطباء لا يُعد مسألة سيادية داخلية، بل يدخل في نطاق المسؤوليات الدولية التي تفرض على القوة القائمة بالاحتلال ضمان وصول الخدمات الأساسية دون عوائق. ولذلك يرى المحامي بن هيلل أن “المنع في هذه الحالة يمثل انتهاكًا مباشرًا للالتزامات الإنسانية، لأنه يحرم مرضى من العلاج دون أي مبرر أمني أو صحي”.
على الأرض، لا يبدو أن الواقعة كانت استثناءً. فبحسب مصادر في منظمات إغاثة دولية، تتكرر مثل هذه الحوادث عند المعابر الإسرائيلية مع بعثات أجنبية، خاصة تلك التي تعمل في مناطق تُعتبر حساسة سياسيًا. وفي كل مرة، تتعدد التبريرات: “خلل في التصاريح”، أو “تأخر في المصادقة”، أو “أسباب أمنية لا يمكن كشفها”. لكن القاسم المشترك هو أن العمل الإنساني ذاته يُعامل كتهديد محتمل، لا كضرورة إنسانية.
في النهاية، تبدو قصة الطبيبين الأمريكيين مرآة لواقع أوسع: معبرٌ يتحكم في الدخول والخروج، لا وفق معايير مهنية أو إنسانية، بل بمعادلات سياسية خفية. التصاريح الرسمية قد تُلغى بقرار من وزارة لا علاقة لها بالميدان، والنيّات الإنسانية تُستجوب وكأنها شبهة. وبينما تعيد إسرائيل تعريف المساعدات وفق معاييرها الخاصة، يظل المريض الفلسطيني أسير البيروقراطية التي تُغلّف السيطرة السياسية بثوب من “الإجراءات الإدارية”.
يبقى المشهد عند معبر الكرامة خلاصة هذا التناقض: بوابة يفترض أن تُفتح للرحمة، لكنها تُغلق باسم التنظيم. جراحون جاؤوا حاملين أدواتهم وأملهم، عادوا أدراجهم لأن جهة ما قررت أن إنسانيتهم غير مصادق عليها. وفي انتظار بعثة أخرى، سيواصل المرضى في الضفة انتظارهم الطويل، لأن السياسة — كما يبدو — صارت من يقرّر من يُسمح له بأن يداوي الألم.