تصريحات النعمان في «العربية» تكشف خفايا خطاب الشرعية

النقابي الجنوبي/تقرير/هشام صويلح
ما وراء حديث نائب وزير الخارجية عن الحوثيين والجنوب
في مقابلة بثّتها قناة «العربية» يوم الاثنين 22 ديسمبر 2025، وجد نائب وزير الخارجية اليمنية، مصطفى أحمد النعمان، نفسه في قلب جدل سياسي واسع. لم يكن الجدل بسبب حدّة التصريحات بقدر ما أثارتها من أسئلة حول طبيعة الخطاب الرسمي للشرعية وحدود ما يمكن قوله باسمها، وهو ما كشف عن تباينات غير معلنة بين ما يُعلن رسميًا وما يُمارس على الأرض.
قال النعمان: «وددت لو كنت حوثيًا، لأن الحوثيين وحدويون»، ثم أضاف: «كل شيء جائز في السياسة». التوصيف الإيجابي لجماعة خاضت حربًا مفتوحة منذ سنوات، مع الإطار المرن الذي قدمه النعمان، ترك انطباعًا بأن الخطاب الرسمي قادر على تغيير المواقف بحسب الحاجة، وأنه يستخدم في أحيان كثيرة كأداة ضغط سياسية أكثر من كونه موقفًا صريحًا.
اعتبر الصحافي والباحث المستقل صالح أبوعوذل الحديث «خطابًا سياسيًا محسوبًا، لا زلة لسان»، موضحًا أن المقابلة جاءت ضمن سياق يرسل رسائل ضمنية أكثر مما تعلن مواقف واضحة. وأضاف: «الخطير في هذا الخطاب أنه لا يستهدف الجنوب بقدر ما يستهدف السعودية ذاتها»، مشيرًا إلى أن مخاطبة الإعلام الإقليمي بهذه اللغة جزء من حسابات تتجاوز الداخل اليمني.
وليس هذا الظهور الأول للنعمان ضمن هذه الديناميكية. ففي مقابلة سابقة مع محطة أمريكية، حذّر من أن أي محاولة للقضاء على الحوثيين قد تترك فراغًا أمنيًا قد تستغله تنظيمات القاعدة وداعش، وهو ما اعتبره المحلل السياسي م. مسعود أحمد زين استمرارًا لنمط ثابت: التحذير من البديل بدل تقديم رؤية واضحة لمسار الدولة. وقال زين: «تكرار هذا المنطق يبني سردية تبرر بقاء الأمر الواقع، حتى مع تغيّر المواقع الرسمية».
في ضوء هذه التصريحات، يبدو أن الشرعية تعيد تعريف خصومها وحلفائها بلغة مرنة، تتجنب الحسم الواضح، وتترك الباب مفتوحًا أمام احتمالات متعددة. فالخطاب يحذر من كلفة المواجهة أكثر مما يوضح تكلفة استمرار الوضع القائم، ما يعطي انطباعًا بأن إدارة التوازنات أصبحت أولوية على حساب الحسم السياسي.
الإعلام الجنوبي لاحظ هذه الإشارات سريعًا. فحسب صالح الضالعي، رئيس تحرير «النقابي الجنوبي»، فإن استضافة النعمان «تثير تساؤلات حول الرسائل التي يُراد تمريرها عبر منابر إقليمية»، معتبراً أن الحديث عن الحوثي بهذه اللغة يعكس تحولًا في لهجة الخطاب الرسمي، وليس مجرد اجتهاد شخصي معزول.
وتتسع دائرة التساؤلات عند ربط هذه التصريحات بمواقف سابقة للنعمان، حين انتقد مجلس القيادة ووصفه بغير الشرعي، قبل أن يعود اليوم ليكون متحدثًا باسم مؤسسة دبلوماسية رسمية. هذا التباين، كما يرى مراقبون، يكشف هشاشة الخط الفاصل بين الرأي الشخصي والموقف الرسمي، ويتيح للخطاب أن يُستخدم أحيانًا كأداة للضغط السياسي على الداخل والخارج.
على المستوى الإقليمي، تحمل المقابلة دلالات إضافية. السعودية، الحليف الرئيسي في مواجهة الحوثيين، تظهر في الخطاب كطرف يمكن مخاطبته باستخدام خيارات متعددة، دون إعلان صريح، مما يوحي بأن التحالفات ليست ثابتة، وأن السياسة الرسمية قادرة على إعادة ترتيب الأوراق وفق مصالح مؤقتة، وهو ما يضع الشرعية في موقف يثير التساؤلات حول جدوى خطابها تجاه حلفائها قبل خصومها.
وفي المقابل، يظهر الجنوب كعنصر ضغط وليس كشريك سياسي متكافئ. استدعاء الحوثي كورقة ضمن المعادلة يعكس تصورًا ضمنيًا يختزل الجنوب في إطار التهديد لا الاستقرار والشراكة، وهو ما فسر بعض ردود الفعل الحادة تجاه المقابلة في الأوساط الجنوبية.
في المحصلة، لم تكن مقابلة مصطفى النعمان مجرد ظهور إعلامي عابر. فالتصريحات كشفت عن خفايا الخطاب الرسمي للشرعية، وطبيعة المراوغة السياسية المبطنة، والمرونة في المواقف التي تتيح إعادة ترتيب التحالفات داخليًا وإقليميًا. وبينما يظل الحكم النهائي للقارئ، فإن المقابلة أعادت رسم حدود النقاش حول مكانة الجنوب، خيارات التحالف، وموثوقية خطاب الشرعية في زمن الالتباس السياسي.