التمثيل الانساني في اليمن.. لعبة حزبية مكشوفة

النقابي الجنوبي – خاص
في مشهد يذكرنا بـ”المسرحيات السياسية القديمة” التي لا تتغير إلا بوجوه ممثليها، أعلنت إدارة صندوق التمويل الإنساني (YHF) في اليمن نتائج انتخابات المجلس الاستشاري، والتي انتهت — كما كان متوقعا — بفوز ثلاث منظمات محسوبة بشكل مباشر على تيار حزب الإصلاح (الفرع اليمني لجماعة الإخوان المسلمين).
طبخة محسومة بنكهة حزبية:
النتائج، التي وصفتها منظمات مدنية بـ”الصدمة المتوقعة”، جاءت تتويجا لسيناريو وصفه مراقبون بأنه “محبوك بعناية”، بدأ بإغلاق أبواب التنسيق على فئة محددة، وانتهى بتسليم المجلس كاملاً لمكون سياسي واحد، وكأن العمل الإنساني تحول إلى غنيمة حرب.
اللافت في الأمر، أن “الديمقراطية” حضرت كواجهة ناعمة لهذه اللعبة، لكن خلف الكواليس كان هناك إقصاء ممنهج، وغرف مغلقة، واتصالات تُدار فيها اللعبة بـ”أدوات حزبية” بحتة، لا علاقة لها لا بالشفافية ولا بالعدالة.
المنظمات المستقلة تقصى.. والمنتدى لا يسمع:
منظمات ناشئة ومستقلة كانت قد وجهت نداءات خلال الأيام الماضية، طالبت فيها بإعادة النظر في آليات الترشح والتصويت، ودعت إلى تشكيل لجنة رقابة مستقلة، وضرورة الكشف عن تقارير أداء الممثلين السابقين — لكن، وكما هو معتاد، ساد الصمت، وسقطت تلك المطالب في آذان لا تريد أن تسمع.
أحد النشطاء الجنوبيين وصف ما حدث بأنه “تمثيل كاريكاتيري” يظهر مدى اختلال موازين التمثيل داخل مؤسسات يفترض بها أن تكون محايدة ومنفتحة على الجميع، لا حكرا على جناح سياسي يتصرف وكأن البلاد ملك له.
مخاوف من التوريث السياسي داخل العمل الإنساني:
ما جرى، وإن لم يفاجئ كثيرين، أعاد فتح باب التساؤلات الجدية حول مستقبل التعددية داخل قطاع العمل المدني، في بلد تتزايد فيه الحاجة إلى أصوات تمثل التنوع الاجتماعي والسياسي والمناطقي.
القلق الأكبر يتمثل في أن تتحول هذه الكيانات التمثيلية إلى “دكاكين حزبية”، حيث يدار كل شيء من خلف الستار، باسم المجتمع المدني، بينما هو في الحقيقة غلاف لهيمنة سياسية مقنّعة.
انتفاضة صامتة قيد التشكل:
مصادر ميدانية تحدثت عن تحركات أولية من قبل عدد من المنظمات المستقلة والناشئة، التي بدأت بالتشاور لإطلاق “موقف جماعي” يُعبر عن رفضها لما جرى، وسط دعوات لتدشين حملة ضغط إعلامية ومناصرة حقوقية محلية ودولية، بهدف كشف ما وصفوه بـ”الهيمنة الحزبية على القرار الإنساني في اليمن”.
ويبدو أن هذه الانتفاضة، رغم هدوئها، تحمل في طياتها غضبا متراكما من سنوات طويلة من التهميش، والتجاهل المتعمد لصوت منظمات الجنوب والمكونات المدنية خارج الدائرة الحزبية التقليدية. فالمشكلة لم تبدأ مع هذه الانتخابات فقط، بل هي امتداد لسلوك ممنهج، يختزل العمل المدني في شرايين الأحزاب، ويقصي بقية الأطراف تحت ذريعة “التصويت”.
التمثيل المدني أم توريث نفوذ؟
الأزمة الحالية تطرح سؤالا مصيريا: هل التمثيل في الهيئات الإنسانية أصبح وظيفة تورث داخل نفس الدوائر الحزبية؟ أم أن هناك فرصة حقيقية لإعادة بناء المنظومة على أسس عادلة؟
لأن الواقع يقول إن نفس الأسماء، ونفس الكيانات، تظهر في كل دورة تمثيلية، وكأن المجتمع المدني اليمني لا يملك غيرها. أين منظمات الجنوب؟ أين النساء المستقلات؟ أين الأصوات الجديدة؟ يبدو أن الإجابة واضحة: خلف الستار، لا على الطاولة.
رسالة من الجنوب إلى العالم: لا تختزلونا
إلى المانحين، إلى الأمم المتحدة، إلى من يدير ويشرف على هذه الصناديق: الجنوب موجود. ويمتلك كفاءات، ومؤسسات، ومنظمات فاعلة، ومن ينفق أمواله على أرض لا يسمع كل مكوناتها، هو شريك في الظلم، لا مجرد ممول.
التمويل الإنساني ليس ملكية خاصة بيد حزب، ولا “كعكة” تقسم على الطاولة، بل أمانة موجهة لشعب يعاني منذ سنوات. وإذا فقدت الثقة بهذه الأمانة، فليتحمل الجميع مسؤولية ذلك، من الداخل والخارج.
وأخيرًا.. الجنوب لن يسكت
الجنوب لن يصمت طويلا أمام هذه المهازل المقنعة بشعارات الشفافية. فكما قاوم الإقصاء في السياسة، لن يقبل به في ساحات العمل المدني. والرد، وإن تأخر، قادم.
وإذا كان التصويت يدار على مقاس فئة بعينها، فاعلموا أن التمثيل الذي يبنى على التزييف، لن يصمد طويلا أمام وعي يتشكل، وصوت يعلو، وزمن يتغير.