#اياد الهمامي يكتب: ازدواجية العليمي: حين يُقدَّم الإعلام المُسيَّس على أمن الإنسان

إيــــاد الهمامــــــــي
بدلًا من أن ينشغل ما يُسمّى رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي، المقيم في فنادق الرياض، بمناقشة التهديدات الحوثية الخطيرة ورفضهم هبوط الطائرة المدنية في مطار المخا، وهو ملف يمس السيادة وأمن المواطنين وحركة الملاحة الجوية، نجده يسارع إلى تحويل بوصلته نحو قضايا جانبية، أبرزها واقعة اقتحام مقر صحيفة «عدن» وما رافقها من عبث بمحتويات المقر وديكوره، في مشهد يعكس خللًا واضحًا في ترتيب الأولويات الوطنية.
فبينما تتعرض المطارات والمجال الجوي للتهديد، ويُترك المواطن في دائرة الخطر، ينشغل رأس السلطة بملفات إعلامية تُستغل سياسيًا، في وقت كان الأولى فيه الوقوف بحزم أمام ابتزاز الحوثيين، وحماية حركة الطيران المدني، وطمأنة الشارع الجنوبي واليمني عمومًا.
هذه ليست مجرد مفارقة عابرة، بل ازدواجية فاضحة في المعايير؛ إذ يتجاهل العليمي المخاطر الحقيقية التي تمس الدولة، ويمضي في سياسة الدفاع عن الإعلام المعادي مثل صحيفة عدن الغد، وفي الوقت نفسه يحارب الإعلام الجنوبي الحر، وعلى رأسه قناة عدن المستقلة، التي تمثل اليوم لسان حال ملايين الجنوبيين، وتعبّر عن تطلعاتهم وقضاياهم وهمومهم اليومية. قناة تُغلق، ويُهدَّد العاملون فيها، وتُلوَّح ضدها بالقوة العسكرية، في سابقة خطيرة تمس جوهر حرية التعبير والعمل الصحفي.
وفي المقابل، تُفتح الأبواب وتُمد جسور الحماية لمنصات وصحف اعتادت نشر الفتنة، وترويج الأكاذيب، وتزييف الحقائق، وتشويه الوعي العام، في محاولة لإرباك الشارع الجنوبي وصناعة واقع إعلامي مزيّف يخدم أجندات سياسية بعيدة عن هموم المواطن.
وحين يُهدَّد الصحفيون في قناة عدن المستقلة بالقصف الجوي، فإن ذلك لا يمكن وصفه بخلاف إعلامي أو سوء تفاهم سياسي، بل هو إرهاب سياسي مكتمل الأركان. فالسلطة التي ترى في الكاميرا والقلم هدفًا عسكريًا، هي سلطة تخشى الحقيقة أكثر مما تخشى السلاح.
إن الإبقاء على بعض المنصات الإعلامية لا يعني بالضرورة احترام حرية التعبير، بل يكون في كثير من الأحيان قرارًا وظيفيًا لإدارة الشارع أو تفريغ الغضب الشعبي أو تشويش الوعي العام عند الحاجة. فالحرية الحقيقية لا تُقاس بعدد الصحف القائمة، بل بقدرتها على قول الحقيقة دون خوف أو ابتزاز.
ولو كانت بعض الصحف فعلًا منحازة لقضايا الجنوبيين بصدق ومتوافقة مع المزاج الشعبي العام، لما تُركت تعمل في هذا المناخ المشحون، ولتعرضت منذ زمن للتصفية أو الإقصاء كما يحدث مع غيرها من المنابر الحرة.
إن التهديدات التي طالت قناة عدن المستقلة، بما فيها التلويح باستخدام الطيران، تكشف ذهنية لا تؤمن بالشراكة الوطنية، ولا ترى في الإعلام شريكًا في بناء الدولة، بل خصمًا يجب إخضاعه أو إسكات صوته بالقوة.
أما «عدن الغد»، فطريقة التعامل معها توحي بأنها ليست محمية حبًا بحرية الصحافة، بل لأنها تُستخدم عند الحاجة كأداة لإدارة الغضب الشعبي أو توجيهه أو حتى تشويشه، وحين تنتهي الحاجة يتبدل الخطاب وتتغير المواقف. ولو كانت منسجمة كليًا مع المزاج الجنوبي الحقيقي، لما تُركت قائمة أصلًا.
إن معركة الجنوب اليوم ليست عسكرية فقط، بل هي معركة وعي وإعلام. فالإعلام الحر هو خط الدفاع الأول عن الحقيقة، وهو المرآة التي تكشف أخطاء السلطة قبل أن تتحول إلى أزمات وطنية كبرى