اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

هل تستطيع السياسة احتواء التاريخ؟..حضرموت عمق الجنوب الأزلي.. واستعادة الدولة استحقاق لا تطويه التسويات

بقلم: صدام عبيد يسر الزبيدي
كاتب وباحث سياسي جنوبي

ليست السياسة دائما قادرة على احتواء التاريخ فهناك قضايا أكبر من طاولات التفاوض وهويات أعمق من أن تختصرها الاتفاقيات وشعوب لا يمكن إقناعها بالتخلي عن ذاكرتها لمجرد أن المصالح السياسية قررت رسم مسارات مختلفة لمستقبلها.

إن القضية الجنوبية ليست خلافا عابرا على تقاسم السلطة ولا أزمة إدارية يمكن تجاوزها بتغيير الحكومات أو إعادة توزيع المناصب إنها قضية وطن وهوية وإرادة شعب ارتبطت بذاكرة سياسية وتاريخية وبحق يرى الجنوبيون أن استعادة دولتهم تمثل جوهره السياسي.

ومن هنا فإن الحديث عن مستقبل الجنوب لا ينبغي أن يبدأ من حسابات التسويات وحدها بل من الاعتراف بحقيقة القضية الجنوبية وحق شعب الجنوب في التعبير عن إرادته وتحديد مستقبله عبر مسار سياسي واضح وعادل.

حضرموت.. حين يكون التاريخ أعمق من الجغرافيا

لا يمكن قراءة تاريخ الجنوب دون حضرموت ولا يمكن فهم عمق هويته التاريخية دون التوقف أمام هذه الأرض التي لم تكن يوما هامشا في ذاكرة المنطقة بل كانت مركزا حضاريا وتاريخيا وإنسانيا امتد أثره إلى ما وراء حدود الجغرافيا.

حضرموت ليست مجرد مساحة واسعة على خارطة الجنوب وليست رقم في معادلات النفوذ السياسي إنها عمق الجنوب التاريخي والأزلي وركن أصيل في تكوينه الاجتماعي والحضاري والوطني.

ومن الخطأ أن تطرح حضرموت باعتبارها نقيضا للجنوب أو أن يُصوّر انتماؤها التاريخي والجغرافي باعتباره مسألة قابلة للمساومة فخصوصية حضرموت لا تنتقص من هويتها الجنوبية كما أن هويتها الجنوبية لا تلغي خصوصيتها ومكانتها وحق أبنائها في إدارة شؤونهم والمشاركة في تقرير مستقبلهم.

إن الجنوب الذي يتطلع إلى استعادة دولته لا يمكن أن يبني مستقبله بتهميش حضرموت بل بشراكة حقيقية تحفظ مكانتها وتصون إرادة أبنائها وتضمن توزيعاً عادلا للسلطة والثروة وتجعل من التنوع مصدر قوة لا مدخلا للانقسام.

الإعلان الدستوري.. من الموقف السياسي إلى أفق الدولة

في سياق البحث عن إطار سياسي يعبّر عن تطلعات الجنوبيين يبرز الإعلان الدستوري الذي أُعلن عنه في الثاني من يناير 2026 بوصفه محطة تستحق النقاش السياسي والقانوني الجاد.

ومن منظور المؤيدين لهذا المسار فإن أهمية الإعلان لا تتوقف عند رمزيته السياسية بل ترتبط بما يطرحه من تصور للانتقال من مرحلة المطالبة السياسية إلى مرحلة بناء إطار مؤسسي ودستوري للدولة المنشودة.

إن تأييد هذا المسار ينبغي أن يقترن بمسؤولية تاريخية أن تكون الدولة المنشودة دولة قانون ومؤسسات لا دولة أشخاص دولة مواطنة متساوية لا دولة إقصاء دولة تحترم التعدد السياسي والاجتماعي وتصون حقوق المواطنين وحرياتهم وتضمن استقلال القضاء وتداول المسؤولية.

فالإعلان الدستوري أياً كانت المواقف المختلفة تجاهه لا تكتمل قيمته بمجرد إعلانه وإنما بقدر ما يتحول إلى مشروع مؤسسي قابل للنقاش والتطوير يستوعب تطلعات الجنوبيين ويحفظ حقوق جميع مكوناتهم.

استعادة الدولة.. سؤال المستقبل لا حنين الماضي

إن استعادة دولة الجنوب ليست مجرد استدعاء لمرحلة تاريخية بل هي نقاش حول شكل المستقبل الذي يريده الجنوبيون وطبيعة المؤسسات التي تحفظ كرامتهم وحقوقهم والضمانات التي تمنع تكرار الأزمات والصراعات.

والدولة التي ينشدها الجنوبيون ينبغي أن تكون عقدا وطنيا جامعا تتساوى فيه حضرموت وعدن وشبوة وأبين والمهرة وسقطرى ولحج والضالع، وتكون فيه الشراكة أساس الحكم والعدالة أساس توزيع الثروة والإرادة الشعبية أساس الشرعية السياسية.

كما أن أي مسار نحو هذا المستقبل يحتاج إلى حوار جنوبي واسع وإلى وسائل سياسية وسلمية وإلى ضمانات تحمي المدنيين وتمنع تحويل الاختلافات الداخلية إلى صراعات تهدد النسيج الاجتماعي.

التاريخ لا يلغى بالتسويات

قد تنجح السياسة في تأجيل بعض الأسئلة وقد تستطيع الاتفاقيات إعادة ترتيب المصالح لكنها لا تستطيع وحدها إلغاء الذاكرة أو صناعة هوية بديلة عن إرادة أصحابها.

وهنا يعود السؤال إلى جوهره: هل تستطيع السياسة احتواء التاريخ؟

ربما تستطيع أن تفتح أمامه طريقاً للتفاهم وأن تحول الاختلاف إلى شراكة وأن تجعل من الحوار وسيلة للوصول إلى حلول عادلة لكنها لا تستطيع أن تجعل تجاهل القضايا الوطنية بديلا عن معالجتها.

إن الجنوب لا يحتاج إلى مستقبل يقوم على إقصاء أحد بل إلى مشروع وطني يستوعب الجميع ويعترف بتضحيات الماضي ويحترم خصوصية حضرموت ومكانتها ويمنح أبناءه حق المشاركة في صياغة دولتهم ومستقبلهم.

فالأوطان لا تبنى بإنكار ذاكرتها والدول لا تستقر بتجاهل إرادة شعوبها والتاريخ لا ينتهي عند حدود اتفاق سياسي.

وحضرموت التي حملت في ذاكرتها تاريخا يتجاوز حدود المكان ستظل جزءا أصيلا من الحكاية الجنوبية لأن الأرض قد تتغير عليها السلطات لكن عمقها التاريخي لا تمحوه خرائط السياسة

زر الذهاب إلى الأعلى