اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

اجتماع جنيف .. كيف تخدم مؤتمرات الشرعية مليشيا الحوثي

بقلم/ بشير الهدياني.

القبيلة في شمال اليمن ظلت لعقود صاحبة نفوذ واسع داخل بنية الدولة ومؤسساتها، حتى أصبح نفوذها في مراحل كثيرة أقوى من سلطة الدولة نفسها. فقد جمع نظام صنعاء بين القوة العسكرية والنفوذ القبلي، في معادلة اختلطت فيها مراكز القوة، وكانت المدنية والتقدم هي الضحية. واليوم، مع اجتماع مشايخ القبائل اليمنية في سويسرا، من المهم التذكير بحقائق لا يمكن تجاوزها عند الحديث عن أزمة الشمال ومستقبل البلاد.

إذا كانت مليشيا الحوثي لا تزال تسيطر على الشمال، فإن القبيلة تمثل أحد روافد قوتها وصمودها حتى اليوم، من خلال حشد المقاتلين وتقديم أشكال مختلفة من الدعم. فقبائل طوق صنعاء، إلى جانب قبائل أخرى، أصبحت رافدًا للمليشيا في التعبئة والتحشيد. لكن المشكلة لا تقف عند دعم الحوثيين؛ فحين تطغى عقلية القبيلة على النظام والقانون، وتصبح الأعراف والأحكام القبلية أقوى من مؤسسات الدولة، تتحول القبيلة إلى جزء من الأزمة ومصدر لتعطيل حياة الناس. وما تشهده بعض مناطق مأرب من استمرار أعمال التقطع والحرابة، وقطع الطرق أمام قواطر الغاز وحرمان المواطنين في محافظات أخرى من وصول احتياجاتهم، يقدم مثالًا على هذه الممارسات التي تعكس غياب سلطة القانون. وقِس على ذلك ممارسات أخرى تتكرر في مناطق مختلفة من الشمال.

ولم يكن هذا النفوذ وليد اليوم؛ فبالعودة إلى عهد علي عبدالله صالح، نجد أن قبيلة الشيخ عبدالله بن حسين الأحمر ومشيخات قبلية أخرى كانت شريكًا في السلطة والحكم، وتقاسمت النفوذ والثروة مع النظام، بما فيها ثروات الجنوب، ضمن منظومة فساد ألحقت بالجنوب أضرارًا كبيرة، وعبثت بمؤسساته ومقدراته،واعادته عقود للخلف.

كان المفترض أن يقتصر دور القبيلة على إطارها الاجتماعي، لا أن تتحول المشيخة إلى شريك في الحكم وصناعة القرار، فيما تتراجع الدولة المدنية ومؤسساتها، ويصبح القانون خاضعًا لنفوذ المشايخ ومراكز القوى.

أما اجتماع جنيف بسويسرا يوم امس، الذي جمع شخصيات تحت عنوان تمثيل القبائل اليمنية، فتثار حوله تساؤلات بشأن طبيعة المشاركين ومدى تمثيلهم الحقيقي للقبائل، خصوصًا مع ما يُتداول عن انتماء منسق المؤتمر إلى الحوثيين. وهذا يضع القائمين على الاجتماع أمام أسئلة جدية حول طبيعة هذا التمثيل والنتائج التي يسعون إلى تحقيقها.

المشكلة أن مثل هذه الاجتماعات قد تمنح الحوثيين مكاسب سياسية ومعنوية، بدلًا من كشف حقيقة دور القبائل في دعمهم، ومساءلة منظومة النفوذ التي أسهمت في إضعاف الدولة وتهيئة الظروف لسيطرتهم على الشمال.

هذه واحدة من كوارث الشرعية؛ أن تذهب إلى مؤتمرات دولية باسم معالجة الأزمة، بينما قد تنتهي نتائجها إلى تعزيز حضور الحوثيين ومنحهم مساحة جديدة، دون معالجة الأسباب الحقيقية التي أوصلت الشمال إلى هذا الواقع

زر الذهاب إلى الأعلى