اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

إلى متى ستظل عدن تدفع ثمن عجز الحكومة؟! ومن المسؤول عن اختناق الناس بالغاز بعد أن سقطت شماعة «الانتقالي»؟!

كتب/فاطمة اليزيدي:


كلما تنفست عدن الصعداء، خرجت لها أزمة جديدة لتعيد خنقها من جديد. وكأن هذه المدينة كتب عليها أن تدفع فاتورة العجز والفشل، وأن يظل المواطن فيها محاصرًا بين نار الأسعار ونار الأزمات، بينما الحكومة لا تملك أمام كل أزمة إلا البيانات والتبريرات والوعود التي لا تطبخ طعامًا، ولا تملأ أسطوانة غاز، ولا تعيد للناس شيئًا من كرامتهم المسلوبة.

اليوم تعود أزمة الغاز لتطرق أبواب عدن بقوة، وتعيد السؤال الذي تهربت منه الحكومة طويلًا: أين الغاز؟ ومن المسؤول عن وصوله إلى المواطن؟ وكيف لمدينة يعيش فيها الناس وسط كل هذا العناء أن تتحول فيها أسطوانة الغاز إلى حلم يحتاج إلى طوابير وانتظار وركض خلف الموزعين، وكأن الحصول على أبسط مقومات الحياة أصبح إنجازًا يستحق الاحتفال؟

لسنوات، ظل المواطن يسمع أسطوانة سياسية جاهزة: «الانتقالي هو السبب». كلما انقطعت خدمة، أو ارتفع سعر، أو اختفى الغاز، أو تعطلت الكهرباء، كانت أصابع الاتهام تتجه إلى الانتقالي، وكأن الحكومة كانت تنتظر فقط اختفاء هذا الخصم من المشهد حتى تنطلق في بناء دولة الرفاه والرخاء. قيل للناس إن المشكلة في الانتقالي، وإن رحيله أو تراجع نفوذه سيضع حدًّا للأزمات، وإن العوائق ستزول، وإن الدولة ستستعيد حضورها وقدرتها.

حسنًا، ها هو الانتقالي لم يعد شماعة تصلح لكل شيء، فماذا بقي للحكومة من أعذار؟

إذا كانت الحكومة قد قالت للناس إن الانتقالي كان سببًا رئيسيًا في انعدام الغاز، فأين الغاز الآن؟ وإذا كان غيابه عن المشهد سيحل المشكلة، فلماذا ما زال المواطن يبحث عن الأسطوانة ويقف في الطوابير ويواجه أزمة جديدة؟ هل المشكلة كانت في الانتقالي فعلًا، أم أن الحقيقة أكثر مرارة، وهي أن هناك حكومة عاجزة عن إدارة أبسط الملفات التي تمس حياة الناس بشكل مباشر؟

المواطن لا يريد محاضرة سياسية، ولا يريد أن يسمع تبريرات جديدة، ولا يريد أن يعرف من انتصر على من في معركة النفوذ. المواطن يريد أسطوانة غاز تصل إليه بسعر معقول ومن دون إذلال، ويريد أن يعرف لماذا تتحول كل خدمة أساسية إلى أزمة، ولماذا يصبح توفير احتياجات الناس أمرًا مستحيلًا على حكومة يفترض أنها موجودة من أجلهم؟

لقد ملّ الناس من سياسة «الشماعة». ملّوا من أن يكون هناك متهم جاهز كلما فشلت الحكومة في أداء واجبها. مرة الانتقالي، ومرة الظروف، ومرة الحرب، ومرة الحصار، ومرة السوق، ومرة التجار، ومرة التوزيع، ومرة ارتفاع الأسعار. أما المسؤولية الحقيقية، فتظل تائهة بين المكاتب، لا تجد لها صاحبًا يخرج أمام الناس ويقول بوضوح: نعم، فشلنا، وهذه خطتنا لحل الأزمة، وهذا موعد انتهائها.

يا حكومة، إن عجزكم عن توفير الغاز ليس مجرد خلل إداري عابر. إنما هو إهانة مباشرة لمواطن أنهكته الأزمات، وأصبح يقيس يومه بعدد الطوابير التي يقف فيها، وبعدد الخدمات التي اختفت، وبعدد المرات التي سمع فيها وعودًا ثم اكتشف أنها مجرد كلام.

عدن ليست مختبرًا لفشلكم، وسكانها ليسوا حقل تجارب لخططكم المؤجلة. هذه مدينة عاشت الحرب والخوف والغلاء وانقطاع الكهرباء وانهيار الخدمات، ومع ذلك ظل أهلها متمسكين بالحياة. لكن للصبر حدودًا، وللناس ذاكرة، ومن الخطير جدًا أن تراهن أي حكومة على أن المواطن سينسى كل أزمة بمجرد أن تنتهي الأزمة السابقة.

والمفارقة الأكثر استفزازًا أن المواطن لا يطلب المستحيل. لا يطلب مشروعًا فضائيًا، ولا قطارًا سريعًا، ولا مدينة ذكية. يطلب غازًا يطبخ به طعامه. يطلب خدمة أساسية من أبسط حقوق الحياة. فإذا كانت الحكومة عاجزة حتى عن تأمين هذه الحاجة، فبأي منطق تطلب من الناس أن يثقوا بقدرتها على إدارة ملفات أكبر وأعقد؟

لقد آن الأوان أن تتوقف الحكومة عن البحث عن خصوم تعلق عليهم فشلها، وأن تبدأ بالبحث عن حلول. فالسلطة ليست امتيازًا، وليست منصة لإطلاق البيانات، وليست وظيفة هدفها البقاء في المكاتب. السلطة مسؤولية، والمسؤولية تعني أن يعرف المواطن من يحاسبه عندما تختفي مادة أساسية من السوق، ومن يتحمل نتيجة التقصير، ومتى سيعود الوضع إلى طبيعته.

أما الاستمرار في سياسة الإنكار والتبرير، فلن يؤدي إلا إلى توسيع الفجوة بين الحكومة والناس. وكل أزمة جديدة لن تكون مجرد أزمة معيشية، بل ستكون سؤالًا سياسيًا وأخلاقيًا أكبر: ماذا تفعلون في مواقعكم إذا كنتم عاجزين عن توفير أبسط احتياجات المواطن؟

يا حكومة، لا تقولوا لنا بعد اليوم إن المشكلة كانت في فلان أو علان. لقد سقطت الشماعة، وبقيت الأزمة. بقي الغاز مفقودًا، وبقي المواطن يبحث عنه، وبقي السؤال معلقًا في وجوه المسؤولين: إذا لم يكن الانتقالي هو السبب، فمن المسؤول الآن؟

وهنا لا نريد إجابة محفوظة، ولا بيانًا منمقًا، ولا لجنة جديدة، ولا وعودًا تضاف إلى أرشيف الوعود القديمة. نريد غازًا يصل إلى الناس. نريد مسؤولًا يواجه الناس بالحقيقة. نريد حكومة تدرك أن كرامة المواطن تبدأ من أبسط حقوقه، وأن من يعجز عن توفير أسطوانة الغاز لا يملك رفاهية توزيع الاتهامات على الآخرين.

لقد تعب المواطن من حكومة تتقن تفسير الأزمة أكثر مما تتقن حلها. وتعب من مسؤولين يملكون قاموسًا كاملًا للأعذار، لكنهم لا يملكون جوابًا واحدًا عن سؤال بسيط: أين الغاز؟

ولذلك فإن أزمة الغاز اليوم ليست أزمة أسطوانة فقط؛ إنها أسطوانة إنذار في وجه حكومة مطالبة بأن تثبت، بالفعل لا بالكلام، أنها قادرة على إدارة شؤون الناس. أما إذا استمرت عدن في الدوران من أزمة إلى أزمة، واستمر المواطن في دفع الثمن، فلن يكون السؤال حينها: لماذا انعدم الغاز؟ بل سيكون السؤال الأكبر والأشد قسوة: ما جدوى حكومة لا تستطيع أن توفر لمواطنيها أبسط مقومات الحياة؟

فيا حكومة، انتهى زمن الشماعات، وبدأ زمن الحساب. عدن لا تريد خصمًا جديدًا تتهمونه، ولا عذرًا جديدًا تحفظه البيانات. عدن تريد غازها، وحقها في حياة طبيعية، وحكومة تتحمل مسؤوليتها. وإن لم تستطيعوا ذلك، فقولوا للناس الحقيقة كاملة: هل أنتم حكومة تدير الأزمات، أم حكومة أصبحت هي نفسها أزمة فوق الأزمات؟

زر الذهاب إلى الأعلى