ولاعة واحدة يتشاركها النازحون.. سلعة نادرة في غزة

النقابي الجنوبي/سكاي نيوز عربية
في خيمة بمنطقة ميناء غزة، لم تعد وسام عبد الله، 37 عاماً، تحتفظ بولاعة خاصة بها. عندما تحتاج إلى إشعال النار لإعداد الطعام أو الشاي، تستعيرها من جارتها، أو تنتظر شخصاً آخر يشعل ناراً ثم ترسل أحد أطفالها ليأخذ منها قبساً.
تعيش وسام مع زوجها العاطل عن العمل وأطفالها السبعة، وتقول إن الحصول على ولاعة أصبح أزمة يومية في ظل ارتفاع أسعارها وصعوبة توفير مصادر الطاقة.
وتروي وسام: «نعاني أزمة حادة في توفير الولاعة، لدرجة أنني أضطر إلى استعارتها من جارتي، أو أنتظر أي شخص يشعل ناراً لأرسل ورقة مع أحد أبنائي لإشعالها، حتى أتمكن من طهي الطعام لأطفالي أو إعداد الشاي».
ولا تبدو قصة وسام استثناءً في القطاع. ففي منطقة مواصي خان يونس، أصبحت ولاعة منى سليمان، البالغة 70 عاماً، مقصداً لجيرانها النازحين الذين لا يستطيعون شراء واحدة بالأسعار الحالية.
وتقول منى: «قداحتي لا تتوقف. طوال النهار يستعيرها الجيران لإشعال النار من أجل إعداد الطعام لأطفالهم أو تسخين الماء لإعداد الحليب للرضع».
تفتح منى ولاعتها لجيرانها من دون تردد، بعدما تحولت أداة بسيطة إلى شيء يتشاركه أكثر من منزل. وفي الخيام والمنازل المتضررة جزئياً، يحاول السكان تدبير احتياجاتهم الأساسية بأقل ما يتوفر لديهم.
ولا تقتصر الولاعات على إشعال الغاز؛ إذ يعتمد سكان على الحطب والنيران في ظل صعوبة الحصول على مصادر الطاقة وارتفاع تكاليفها، ما يجعل فقدان الولاعة أو تعطلها مشكلة تتكرر مع كل وجبة وكل حاجة إلى تسخين المياه.
مهنة ولدت من رحم الأزمة
في منطقة السرايا وسط مدينة غزة، وجد صدام أبو طعيمة، 33 عاماً، في الولاعات التالفة مصدر دخل لم يكن يتخيله قبل الحرب.
كان صدام يعمل في البناء، لكنه فقد عمله، فاتجه إلى إصلاح الولاعات لإعالة أسرته المكونة من خمسة أفراد.
ويقول: «يأتيني الناس من كل مكان، ويطلبون قداحة لإشعال الغاز. لا يملكون قداحات، ولا يملكون المال لشراء قداحة يبلغ سعرها 70 شيكلاً».
يصلح صدام يومياً ما بين 40 و50 ولاعة، ويحصل على ما بين شيكلين وأربعة شواكل مقابل إصلاح الواحدة، لكن دخله اليومي، بحسب قوله، لا يتجاوز 30 أو 40 شيكلاً.
ويشتري ولاعات تالفة بنحو 30 شيكلاً، ثم يفككها ويستخرج منها حجر الإشعال والقطع التي لا تزال صالحة، قبل استخدامها في إصلاح ولاعات أخرى.
حتى هذه المهنة الجديدة لم تمنحه حياة مستقرة. فقد دُمر منزله في بيت حانون واضطر إلى النزوح إلى خيمة، فيما يعيل إلى جانب أسرته أطفال شقيقه الذي فقد والده.
من دولار إلى 44 دولاراً
في الأسواق، وصل سعر الولاعة الصغيرة الجديدة إلى نحو 70 شيكلاً، أي قرابة 23 دولاراً، بينما بلغ سعر الكبيرة نحو 130 شيكلاً، بما يعادل قرابة 44 دولاراً.
وقبل الحرب، كانت الولاعة تباع بما لا يتجاوز دولاراً واحداً، وفق الأسعار الواردة في المادة، لتتحول من سلعة رخيصة ومتاحة إلى منتج يصعب على كثير من الأسر توفيره.
وتخضع السلع التي تصنفها إسرائيل ضمن قائمة «الاستخدام المزدوج» لقيود مشددة على إدخالها إلى غزة، فيما لا تعلق السلطات الإسرائيلية عادة على الولاعات تحديداً باعتبارها سبباً مباشراً في ارتفاع أسعارها.
وكانت مؤسسات إغاثية قد وزعت مطلع الصيف عدداً من الولاعات على نازحين في مخيمات وسط القطاع، لكن سكاناً يقولون إن البرنامج لم يستمر.
وهكذا انتقلت الولاعة من هامش الحياة اليومية إلى قلبها: أم تستعيرها كي تطهو لأطفالها، ومسنة تتقاسمها مع جيرانها، وعامل يفكك عشرات الولاعات التالفة بحثاً عن قطعة صالحة لإعادة تشغيل أخرى.
في غزة، لم تعد الولاعة مجرد أداة لإشعال النار؛ فقد أصبحت سلعة يتشاركها النازحون، ومهنة لمن فقدوا أعمالهم، وعبئاً إضافياً على عائلات تحاول تأمين أبسط احتياجاتها.