اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

هندسة وتأمين العمق الإقليمي السعودي وتدوير الصراع: الجنوب بين مطرقة التصعيد وضبابية التفاهمات

بقلم أ.د.ميثاق باعبّاد الشعيبي

عقب تدمير مدرج مطار صنعاء الدولي لمنع هبوط طائرة إيرانية، برأ الخطاب الرسمي لرشاد العليمي ووزارة الدفاع في تحول لافت فرضية القصف السعودي، معلناً تبني القوات المسلحة والأجهزة الأمنية لعملية استهداف المدرج بشكل مباشر. هذا التصعيد انعكس سريعاً على مطار عدن الدولي الذي عاش حالة استنفار وإجراءات احترازية مشددة، صدرت على إثرها توجيهات لشركة الخطوط الجوية اليمنية بنقل أصولها وطائراتها إلى مطار جيبوتي لحمايتها، بالتزامن مع قرار مفاجئ من سلطات الطيران قضى بإغلاق الأجواء، وسرعان ما تم إلغاؤه والتراجع عنه بعد وقت قصير من صدوره ..

وفي خضم هذه التطورات، يبدو المشهد الميداني ضبابياً وخالياً من الحقائق المؤكدة على الأرض، ففي تطور لافت، نجحت الطائرة المدنية التابعة لشركة التجارية الإيرانية “ماهان إير” الناقلة لوفد جماعة الحوثي في الهبوط بمطار الحديدة الدولي المتهالك بسلام، لافتًا الأنظار إلى إتمام الرحلة دون تسجيل أي استهداف أو تهديد جوي من جانب القوات الحكومية أو الجانب السعودي؛ إذ تفتقر بروباغندا الإعلام الحوثي حول تنفيذ هجمات عسكرية ضد المملكة، لأي تأكيدات من قنوات إخبارية مستقلة، وفي المقابل، تندرج التقارير السعودية المقتضبة حول التعامل مع أهداف جوية في المنطقة الجنوبية للمملكة ضمن سياسة إعلامية غامضة تفتقد للتفاصيل الواضحة. وبين رواية حوثية تفتقر للموثوقية وإعلانات سعودية مبهمة عن اعتراض صواريخ، يظل الميدان رهين الضبابية. هذا التناغم العبثي يتزامن مع جلسة لمجلس الأمن تكتفي بالدعوة الروتينية لـ “خفض التصعيد”، ليعود المشهد مجدداً إلى واقع “اللا سلم واللا حرب” الذي تديره وتفرضه الرؤية الأمريكية، مع إرغام كافة الأطراف على الالتزام به ..

إن هذا المشهد يعكس بوضوح أن سياسة المهادنة والتراخي الدولي والإقليمي في ردع الميليشيات الحوثية تثير شبهات قوية حول محاولات تدوير الصراع، وتفتح الباب لفرضية وجود تفاهمات خفية “سعودية – إيرانية – حوثية” تهدف إلى توجيه التصعيد العسكري نحو المنشآت الحيوية والمطارات في الجنوب كبديل للتصعيد على الأراضي السعودية. فتحييد المنشآت والمطارات السعودية عن القصف الحوثي تحكمه لغة المصالح والإستراتيجية المتبادلة لا السلام؛ إذ أمنت الرياض أراضيها ونقلت عبء الصراع والضغوط إلى الجنوب عبر أدواتها، مستندة إلى مفاوضات مباشرة ومستمرة مع صنعاء لتأمين حدودها ومنشآت الطاقة كـ “أرامكو”، مقابل امتيازات اقتصادية وملفات خدمية كالمرتبات وإعادة تشغيل المطارات.
وتتبلور خطورة هذا التوجه في الصفقة الكبرى لخارطة الطريق والتفاهمات المبرمة بين السعودية ولوبي الشرعية اليمنية وجماعة الحوثي برعاية ووساطة سلطنة عُمان؛ إذ صِيغت هذه الخارطة بمحوريها الأساسيين ومراحلها الثلاث الرئيسية بالكامل على حساب القضية الجنوبية العادلة ومقدرات شعبها وثرواته، وهي الخارطة ذاتها التي رفض التوقيع عليها الرئيس الزُبيدي جملة وتفصيلاً حمايةً للمكتسبات الوطنية المنجزة ..

ومع أن جماعة الحوثيين تعي جيداً فارق القدرات الجوية العسكرية، الذي تمتلكه السعودية مقارنة بالجنوب، فإن توجيه بوصلة تهديداته نحو الجنوب يضعنا أمام فرضية “التمويه السياسي”، ويُعزز الشكوك حول وجود صفقات وتفاهمات خفية تجري تحت الطاولة بين قوى الوصاية والميليشيا الحوثية. هذا التخادم السعودي الحوثي المحتمل، المصحوب بصمت وتواطؤ من بعض القوى اليمنية المستفيدة، يمثل تهديداً مباشراً للأمن القومي الجنوبي وسعياً متجدداً لإعادة احتلاله. وإذا كان هذا السيناريو يجري بغطاء من أطراف داخل منظومة الشرعية، فإننا أمام مؤامرة مكتملة الأركان لتقويض الاستقرار واستهداف مكتسبات شعبنا

وأمام هذه الدسائس والمؤامرات، نؤكد أن الإرادة الشعبية الجنوبية واعية تماماً لما يُحاك في الغرف المغلقة، وهي جاهزة لإفشال هذه المخططات وحماية سيادة الأرض والاستقرار بكافة الوسائل المتاحة؛ فهذا التآمر لن يقبله شعبنا الجنوبي، وسيقابل بمقاومة وطنية حازمة مهما بلغت التضحيات ..

زر الذهاب إلى الأعلى