الكاتبة الجنوبية روعة جمال.. سؤال الجبهة.. ولعبة الاستنزاف

روعة جمال
الجميع يتساءل بصوتٍ مكتوم: لماذا تشتعل جبهة دون بقية الجبهات؟ ولماذا في هذا التوقيت بالذات؟ إنه سؤال في غاية الأهمية لأنه لا يبحث عن رصاصة، بل عن يدٍ تحرك الرصاصة. نحلل الأمر من أرض الواقع، بلا مراوغة ولا كذب ولا تزييف، فالحرب لها وجهان: وجه يُرى في الميدان، ووجه يُخبأ خلف الطاولات. الجبهات كثيرة، منها ما هو مفتوح على مصراعيه مثل جبهة مأرب، فهي أرض سهلة لا تحتاج إلا إلى خطوة، ومنها ما لا يفصله عن السقوط إلا خيط رفيع كالطربال، وهي جبهة تعز، ومنها ما هو ضعيف التعزيز، فتبدو الفجوة فيه واضحة حتى لمن لا يحمل بندقية، وهي جبهة أبين – مكيراس. وأمام كل هذا تبقى جبهة واحدة تقف كالصخرة، الأقوى تماسكاً، الأشد عزيمة، الأصعب اختراقاً. فلماذا يُختار الصخر دائماً ولا يُختار الطين؟ ولماذا يُشعل القتال حيث يعلم الجميع أن النصر مستحيل وأن العبور محال؟
الحقيقة التي يخفيها الدخان أن ما يحصل لم يكن قرار ميدان، لأن جبهة كهذه لا تمنح نصراً بل تمنح دماً. فلماذا تُشعل اليوم برغم معرفة الجميع بأسوارها؟ لأن الهدف لم يكن يوماً أن تُكسر البوابة، لأن جبهة الضالع عصية، ولكن كان الهدف عبارة عن استنزاف السلاح والذخيرة والأرواح خلفها.
الاستنزاف هو الاسم الآخر للحرب، فآل السعود لا يريدون انتصاراً، وإن انتصر الحوثي في الضالع سيقف الحوثي عند الخط المرسوم له، لأن الهدف ليس احتلال أرض بل تثبيت وصاية. وما يجري اليوم ليس إلا معركة تجفيف للسلاح وتجويع للذخيرة وإفراغ للأرض من قوتها حتى تصبح طاولة المفاوضات، وتكون السعودية ضمن اتفاق الوصاية الذي تريده. وخلف الأبواب المغلقة تُعقد الصفقات، ويُتفق أن تبقى الوصاية هي الحاكم الحقي.
لكن الأرض لا تُسلّم هكذا، وأن الضالع وأبناء الجنوب وقائدهم عيدروس كشفوا الجميع وفضحوا آل السعود، وظهر من كان يلعب تحت الطاولة. وجميل أن ترى عدوك لكي تكون معه نداً في المعركة، لأن عشر سنوات كانت كفيلة بفضحهم وتعريتهم. اليوم آل السعود يبحثون عن عميل لهم يسلمونه الوصاية، فكان عيدروس لهم بالمرصاد وقال لهم: لا، أرض الجنوب لن يحكمها سوى شعبها. وإن قبل الشمال والحوثي الخنوع واتفقتم على بيع الوطن والحرية والكرامة، فإن الجنوب لا يتنفس سوى الحرية.
رجال صدقوا ما عاهدوا الله عليه. وإن حربهم اليوم ما هي سوى حرب استنزاف غادرة، ولكن نقول إن الله على نصرنا لقدير، ولن يفلح خائن الذي خان وغدر بشريك صادق. وإن الجنوب لا يُكتب في دفاتر الصفقات. الشعوب قد تُنهك مرة، وقد تُحاصر مرة، لكنها لا تنسى. والأيام القادمة حبلى بالمفاجآت، لأن التاريخ لا يرحم من راهن على كسر إرادة شعب. فمن زرع الاستنزاف سيحصد الغضب، ومن راهن على التعب سيتفاجأ بالصبر، وإن الله على نصر الحق لقدير.