اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

قصة قصيرة بعنوان (كسر)

القصاصة/ سحر عبداللاه صالح مثنى

انتظرت إشراقة الشمس بفارق الصبر لدرجة أنّني سبقت منبه السّاعة؛ فأنا بين يدي يوم ليس عاديًا بالنسبة لي، طوال الليل وأنا أُعِد لها تلك التي شُغف بها قلبي، إن حماستي لا توصف منذ أن قرأت الإعلان لأول مرة.
يومئذ ذهبت إلى الحلاق لأصفف شعري، وطلبت من والدتي كي ملابسي رغم أنّها لا تحتاج إلى ذلك ولكن لأنّها مناسبة فريدة.
وصلت إلى المدرسة أخيرًا، وعندما أتى موعد المسابقة، انتابني بعض القلق في بادئ الأمر، ولكنّني سرعان ما تخلصت من هذا فور رؤيتي للأجواء الحماسية.
انتظرت دوري متلهفًا عندما كان زملائي يقدمون أشعارهم الواحد تلو الآخر، ولكنّ اسمي لم يداع حتى قارب وقت المسابقة على الانتهاء! حاولت تهدئة نفسي بأنّه سيحين دوري قريبًا، وقتها صعد مقدم المسابقة على المنصة وأعلن عن انتهائها، أسرعتُ إليه أذكره عن ذكر اسمي الذي نسيه، ولكنّه فاجأني بأن اسمي غير موجود في لائحة المشاركين، وأنا الذي ملأت الاستمارة بيدي وقدمتها للمشرفين، فتساءلت هل يعقل أنّ اسمي سقط سهوًا؟
استفسرت بعدها وعلمت أنّه كان موجودًا ضمن القائمة ولكنّ أحدهم طلب استبعادي من المشاركة!
لم أكن اتخيل أن يصل الحال بوالدي إلى هذا الحد، فقد علمت لاحقًا أنّه علم بأمر الاستمارة عندما خبأتها في حقيبتي المدرسية.
وهو سابقا كان قد منعني من كتابة الشعر كونه بنظره يلهيني عن دراستي، ولن تجلب لي وظيفة محترمة في المستقبل، ومن يومها انطفأت..
أصبحت اصطف مع المتأخرين في الطابور الصباحي، وأتردد وقت المشاركة في الحصة الدراسية، وأنا الذي كنتُ ألهب الفصل حماساً ونشاطاً.
آثرت العزلة وأغلب الأوقات انكفئ على منضدتي أثناء الاستراحة بينما يخرج زملائي للعب وتناول الإفطار سوية، فقد تركت تلك الحادثة جرحًا عميقًا بداخلي، حاولت بقدر المستطاع حماية حلمي ومقاومة صفعات والدي القوية ولكنّني هُزمت.
وقتها حضر إلي صديقي فؤاد وقد بدت عليه البهجة قائلا لي:
يا إلهي، لِمّ أنت منعزل هنا يا صديقي؟ ألا تعلم بأنّه سيقام حدث مهم!
أي حدث؟!
سيقام مهرجان ضخم للمواهب.
وماذا عن ذلك؟!
ألا تعلم أنّه ستختار مجموعة من المواهب في كل مدرسة، وأنت بالتأكيد ستكون واحدا منهم.
حتى وإن حصل ذلك، سأعتذر عن الأمر.
هل أنت جاد؟!
نعم، فما الفائدة إن كان والدي سيقف في طريقي.
تجاهلت الأمر! حينئذ وقررت أنّ أكرس نفسي بالاجتهاد في دراستي حتى لا أخسرها هي أيضا.
ومن يومها ووالدي راضياً عنّي، وكأنّه حقق انتصاراً دون أن يحاول الشعور بمعاناتي التي أكابدها، فهو لم يدرك التغيير الذي طرأ عليّ منذ ذلك اليوم، لم يلحظ انطوائي وقلّة حديثي أثناء اجتماعنا على طاولة الطعام..
يومها ولأول مرّة طلب منّي مرافقته لصلاة العصر، وفعلتُ ذلك، وطوال الطريق لم اتفوه بكلمه، ولكنّه كان يحدثني عن أهمية قراره الذي اتخذه بما يخص مستقبلي، وأنّه يعرف مصلحتي أكثر منّي، وفي هذه الأثناء قابلنا أصدقاء أبي وهم ذاهبون أيضاً للمسجد، وعندها اقترب الجميع منه يسلمون عليه ويباركون له، فقال أحدهم: ماشاء الله يا أبا حسان لديك ابن موهوب، قناتنا المحلية اليوم أتت على بذكره..
نعم لقد شاركت في المسابقة عندما أصر عليّ صديقي فؤاد يومئذ، وقد وافقت على مضض، وها أنا افاجأ بإعلان النتائج على التلفاز، وحصولي على المركز الأول، كانت لحظات سعد غامرة، شعرت حينها بأنّني نجحت بعدما اجتهدت في دراستي وتفوقت لأري والدي أن باستطاعتي أن أجمع بين الأمور بتميز يرضاه وأرضاه لنفسي.
حينها نسيت أنّ فعله السابق كان قاسياً وربما جزمت أنّه جاهل، نسيت كل شيء عندما رأيت سعادته وهو يرد على بشراهم بملامح فخر واعتبرته اعترافاً غير مباشر من أبي بي.
كان يمكنّني فيما مضى أن أصرح له أن الآباء لا يفعلون مثله وأنّه جاهل بموهبتي وما قد يأتي به مستقبلاً، وماذا كان سيرد لو فعلتها غير مزيد إصرار على رأية!، لكنّني راضٍ اليوم جداً أني فعلت الشيء الصحيح، ورددت بالشكل الأنسب، لا يخطر ببالي اليوم أنّه لا بأس إن فاتتنا أيام، ونحن نسعى فسيأتي اليوم الذي سيكون لنا.. لنا فحسب.
ومن غريب ما أدهشني يومها، أن والدي في تلك اللحظة وأصدقائه يهنئونه كان يقول: لطالما شجعته على صقل موهبته!

زر الذهاب إلى الأعلى