مسهور يكتب “تقرير المصير… جوهر القضية الجنوبية”

كتب/هاني مسهور
بعيدًا عن الفهلوة السياسية، والتوصيفات الرمادية، ومحاولات تلميع حقيقة قاسية لا تقبل التجميل، لا يمكن مقاربة القضية الجنوبية إلا من زاوية واحدة صلبة لا تحتمل الالتفاف: الحق في تقرير المصير، كل ما عدا ذلك ليس سوى تلاعب لغوي لتخفيف وقع الصدمة، أو مناورة سياسية لشراء الوقت، أو إدارة فاشلة للصراع بدل حسمه.
وتقرير المصير، لمن يريد أن يرى بلا مواربة، ليس شعارًا فضفاضًا ولا مطلبًا قابلًا للتجزئة أو التقسيط. إنه مسار واضح المعالم: فك ارتباط كامل مع سلطة لصوصية احترفت النهب باسم “الوحدة”، واتخذت منها غطاءً أخلاقيًا وسياسيًا، رغم ما لهذه الوحدة من رصيد وجداني في الذاكرة الشعبية شمالًا وجنوبًا، غير أن الوجدان لا يصنع دولة، وما سقط سياسيًا لا يُستعاد بالحنين.
كل محاولة لخفض سقف المطالب الجنوبية، أو اختزال القضية في ملف حقوقي، أو حزمة مظالم، أو صفقات تسوية، ليست سوى تحايل فجّ على جوهر الصراع، مثل هذه المقاربات لا تصنع سلامًا، ولا تُغلق أبواب المواجهة، لأنها تتجاهل حقيقة يعرفها الشارع الجنوبي بوضوح .. المشكلة ليست في سوء إدارة، بل في بنية سياسية مختلّة من أساسها.
القضية سياسية في جوهرها، والحل سياسي في طبيعته، وما دون ذلك لعب بالكلمات، ودوران عبثي حول الهوامش، فيما صلب الأزمة ينزف، لا معنى لانتصار لحظي، ولا لقوى تتبدّل أسماؤها، ولا لاصطفافات مؤقتة، الشعوب التي تمتلك قضية لا تتوقف عند الخسارة العابرة، ولا تفقد بوصلتها الاستراتيجية، بل تعود دائمًا إلى السؤال الجوهري .. من نحن، وماذا نريد؟.
إضاعة الوقت ليست حيادًا، بل قرار واعٍ بإطالة النزيف، وكل اتساع بين الحل الحقيقي والحلول الوهمية يعني دمًا إضافيًا، وانفجارًا مؤجلًا، لا أكثر.
أما الحوار الجنوبي–الجنوبي، إن أُريد له أن يكون فعلًا جادًا لا مسرحية سياسية، فطريقه واحد لا يقبل القسمة ولا التأجيل:
استفتاء واضح وصريح على قاعدة تقرير المصير.
وما عدا ذلك، ليس حلًا .. بل إدارة أزمة بلا أفق، كما أن حواراً تحت أفواه البنادق والتحريض الإعلامي وتوزيع فتاوى التكفير لا يمكن أن يكون حواراً لماذا لا يذهب الجنوبيون لأرض بعيدة محايدة لا يمكن أن يكون الجلاد أيضاً محايداً .. بل بات الجلاد محتلاً غادراً وكذلك قاتلاً ..