اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

نزيف داخلي

 

بقلم: محمد باسنبل

في الواقع، ليس بمقدوره فعل شيء حيال الإنهاك الذي يمر به كل مساء؛ إذ يأخذ منه الصباح لوحده عشرون ضحكة لافحة وألف ابتسامة.
نعم، هذا ما يحصل له.

ففي أثناء أيابه إلى بيته دائمًا ما تذوي بالونة قواه المنفوخة ولا تعود تحمله قدماه، يحمله الإعياء كي يستريح، يسند الأربعون عامًا إلى مقبض بيته. ودونما سابق إنذار، لاش تعود تلك الابتسامات الكثيرة التي أخذها معه نهاره كله ونصف ليله موجودة.

يحاول أن يفر من ذاكرته ولكن دون جدوى، ينفخ الدخان الفاتر في أريحية وحيدًا جالسًا في سكون تتحسس أصابعه قبضة باب البيت.
يشعر بشيء ما دبق يلتهم جبهته، يحاول مسحه، لكنه ينزلق بتؤدة إلى شعيرات ذقنه، يحس بفروة رأسه لزقة، فيعتريه الضجر.
ألصق جنبه جهة الباب، زاد النقر على جمجمته، أغمض عينيه .
سرح بعيدا ..

اثر أن يتخلص من رعشة في يده، جاهد كي تظل ابتسامته في مكانها، المكان مكتظ بالنساء، استفاق على وقع صوت أنثوي مائع يشق طريقه إلى أذنيه: ” دورك أستاذ”، لوى عنقه تجاهها وابتسم.
في الداخل تلبك أول الأمر حينما زمت شفتاها، وأجلسته بحركة من يدها، نظر إلى عينيها البارزتين فوجدهما تتفحصان أوراقًا ما لبثت أن أصدرت تنهيده عميقة:
– هل جاءت معك؟
– قال : لا هي في البيت.
– كما توقعت مات الجنين. سأوصي الممرضة لتعطيها رطلًا إضافيًّا من الدم، وسوف نخرجه من بطنها الليلة.
نكس رأيته كي لا ترى انفعالاته : “إنه الثالث الذي يموت عشية وصوله لشهره الرابع”. رفع رأسه ولدهشتها أيقض ابتسامة غافية .

تلك الابتسامات المنهكة تتلاشى متفلتة منه وهو عائد إلى البيت.

في الصباح يعاود ارتداء علامته التجارية حينما يفتح باب بيته.

زر الذهاب إلى الأعلى