اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

الجوع يفتك بأطفال السودان.. العطا يتعهد بمواصلة الحرب رغم اتساع الكارثة الإنسانية

كشفت نشرة أممية عن تفاقم كارثة سوء التغذية في السودان، مع تجاوز معدلاته الحادّة عتبة الطوارئ الدولية في نحو نصف المناطق التي شملتها المسوح، وحرمان 61 محلية من تسجيل أي حالة دخول إلى مراكز العلاج الداخلي، في مؤشر على انهيار قدرة السكان على الوصول إلى الرعاية وسط استمرار الحرب.

وأظهرت نشرة قطاع التغذية في السودان للفترة من يناير إلى سبتمبر 2026، الصادرة عن القطاع الذي تقوده منظمة الأمم المتحدة للطفولة “يونيسف”، ونُشرت الاثنين 2 نوفمبر، أن سوء التغذية الحاد تجاوز عتبة الطوارئ الدولية البالغة 15 في المئة في 18 مسحاً من أصل 37 أُجريت في مناطق مختلفة من البلاد. كما سجلت سبعة مسوح معدلات تجاوزت 20 في المئة، بما يعكس بلوغ الأزمة مستويات بالغة الخطورة.

وتتصدر دارفور بؤر الكارثة، إذ تجاوزت 13 عملية مسح من أصل 17 في الإقليم عتبة الطوارئ، نتيجة سنوات من القتال والحصار والنزوح، وما رافقها من انهيار الأسواق والمرافق الصحية ومصادر المياه.

ولم تعد الأزمة محصورة في الإقليم الغربي، إذ رصدت المسوح معدلات تجاوزت العتبة نفسها في أم درمان بولاية الخرطوم، وتلكوك في كسلا، والرهد في القضارف، وجبرة الشيخ في شمال كردفان.

وتقدر النشرة أن نحو 8.4 مليون شخص يحتاجون إلى خدمات ومساعدات تغذوية خلال عام 2026، بينهم خمسة ملايين طفل دون الخامسة و3.4 مليون امرأة حامل أو مرضعة.

ويحتاج نحو 4.19 مليون شخص إلى علاج سوء التغذية الحاد، بينهم 824 ألفاً و827 طفلاً يعانون سوء التغذية الحاد الوخيم، وقرابة 2.76 مليون طفل يعانون سوء التغذية الحاد المتوسط، إلى جانب نحو 600 ألف امرأة حامل أو مرضعة.

ويشكل سوء التغذية الحاد الوخيم تهديداً مباشراً لحياة الأطفال، لأنه يضعف المناعة ويجعل أمراضاً قابلة للعلاج، مثل الإسهال والملاريا والتهابات الجهاز التنفسي، قادرة على التسبب في الوفاة خلال فترة قصيرة، ما لم يحصل الطفل على الغذاء العلاجي والرعاية الطبية.

ورغم إدخال أكثر من 383 ألف طفل إلى برامج علاج سوء التغذية الحاد الوخيم غير المصحوب بمضاعفات خلال الأشهر التسعة الأولى من العام، فإن هذه الحصيلة لم تتجاوز نحو 81 في المئة من الهدف المحدد.

وتبدو الفجوة أكبر في الحالات التي تستدعي رعاية داخل المستشفيات ومراكز الاستقرار، إذ لم تسجل هذه المراكز سوى نحو 26 ألف حالة دخول، بما يعادل 37 في المئة من الهدف السنوي.

وسجلت 61 محلية صفراً في حالات الدخول إلى مراكز العلاج الداخلي. ولا يعني ذلك غياب الأطفال المصابين، بل قد يعكس انعدام المنشآت والأطباء والعلاج ووسائل النقل الآمن، أو عجز الأسر عن الوصول إلى المراكز بسبب القتال وانقطاع الطرق.

وتعمل أكثر من 53 منظمة إنسانية عبر نحو 2500 مركز للعلاج الخارجي، إلى جانب ما بين 113 و130 مركزاً للعلاج الداخلي. ومع ذلك، لا تزال الاستجابة بعيدة عن حجم الاحتياجات، خصوصاً في المناطق المحاصرة ومناطق العمليات العسكرية المتواصلة.

أما برامج الوقاية، فلم تصل إلا إلى نحو 2.6 في المئة من الأطفال المستهدفين، ونحو ثلاثة في المئة من النساء الحوامل والمرضعات، ما يعني أن التدخلات تظل محدودة حتى في منع تدهور الحالات قبل وصولها إلى مراحل الخطر.

وتربط النشرة تفاقم الأزمة بتداعيات الحرب على مصادر الغذاء والخدمات الأساسية، بعدما أُجبر مزارعون على ترك أراضيهم، وتعطلت الأسواق والطرق، وتضررت مرافق الخدمات العامة، وخرجت مستشفيات ومراكز صحية من الخدمة، فيما تجاوزت أسعار الغذاء قدرة قطاعات واسعة من الأسر.

وتتحمل الخرطوم وشمال دارفور وجنوب دارفور والجزيرة نحو 42 في المئة من العبء الإجمالي لسوء التغذية، فيما تمثل ولايات دارفور الخمس قرابة 30 في المئة، وولايات كردفان الثلاث نحو 15 في المئة.

وتحذر النشرة من تدهور إضافي مع تزايد حالات الدخول إلى مراكز العلاج، وضعف موسم الحصاد، والجفاف المرتبط بظاهرة “النينيو”، واستنزاف مخزونات الغذاء، وهي عوامل قد تعجّل ببدء موسم الجوع المقبل قبل أن تستعيد الأسر قدرتها على توفير احتياجاتها الأساسية.

وتأتي هذه الأرقام في بلد تصفه الأمم المتحدة بأنه يشهد أكبر أزمة إنسانية في العالم، حيث يحتاج نحو 34 مليون شخص إلى المساعدة، بينما تواجه المنظمات الإغاثية نقص التمويل وانعدام الأمن وصعوبات الوصول إلى المناطق المتضررة.

وفي مقابل اتساع الكارثة الإنسانية، أعلن رئيس هيئة أركان الجيش السوداني، الفريق أول ركن ياسر العطا، الأحد 1 نوفمبر، أن القوات المسلحة ماضية في حربها، وأنها تتجه إلى مواصلة عملياتها العسكرية في دارفور وكردفان حتى النهاية.

وتضع هذه التصريحات استمرار العمليات العسكرية في مواجهة واقع إنساني تتسع فيه أعداد الأطفال المصابين بسوء التغذية، وتتراجع فيه قدرة المؤسسات الإغاثية على الوصول إلى المحتاجين.

وتحذر المؤشرات التي أوردتها نشرة التغذية من أن استمرار الحرب يفاقم الجوع ويزيد أعداد الأسر التي تفقد مصادر غذائها، فيما تتسع المناطق التي يتعذر فيها تقديم العلاج والمساعدات.

ويرى خبراء إنسانيون أن مواجهة الكارثة تتطلب وقف الحرب، باعتبارها المحرك الرئيسي لانهيار الأمن الغذائي وتعطيل وصول المساعدات، إذ لا تستطيع برامج التغذية وحدها احتواء الأزمة ما دامت العمليات العسكرية مستمرة وتتقلص معها فرص إنقاذ الأطفال.

زر الذهاب إلى الأعلى