اعلان كاك بنك صحيفة النقابي.

مصلح والصاروخ… حكاية قلة الحسبة!

علي سيقلي

يُحكى أن مسعد حلم ذات ليلة بأنه على وشك الانطلاق بصاروخ، وبرفقته خمسة أشخاص كانوا معه مخزنين قات يسمونه في يافع “قات المقارين”، أخذ يعدد أسماءهم واحدًا تلو الآخر، حتى انتهى من القائمة، دون أن يرد فيها اسم صاحبه والرفيق “مصلح”.

ومصلح، لمن لا يعرفه، رجل لا يحتمل التجاهل، ولا تمر عليه الأمور مرور الكرام، خصوصًا إذا تعلق الأمر بموقعه في المشهد العام، أو بحقه المفترض في ركوب الصاروخ مع الجماعة رحمة.

ما إن سمع الأسماء حتى انتفض غاضبًا، وسأل مسعد بصوت لا يخلو من الوعيد:

ـ وأنا؟!

رد عليه مسعد بكل برود:
ـ ماشي نَسَم بالصاروخ!

أي أن العدد مكتمل، ولا توجد مساحة إضافية، ولا مقعد شاغر، ولا حتى مكان للوقوف عند الباب!

هنا لم يعد مصلح يرى المسألة حلمًا عابرًا، بل شعر أن كرامته قد أُهينت، وأن مؤامرة من القرية تُحاك ضده حتى في منامات الناس! فما كان منه إلا أن أشهر جنبيته، وكأن الصاروخ لن ينطلق إلى الفضاء، بل إلى ساحة قبلية تحتاج إلى تحكيم.

تدخل الحاضرون، وأخذوا “يفرعونه” ويهدئون من غضبه:
ـ يا مصلح، اهدأ، ما هي إلا رؤيا في المنام!

فرد عليهم، وهو لا يزال قابضًا على جنبيته:
ـ أنا داري أنه حلم، بس أشوف إلى فين قلة الحسبة ومقام الرجال!

وهنا بيت القصيد!

فالمشكلة عند مصلح لم تكن في الصاروخ، ولا في الوجهة التي سيذهب إليها، ولا حتى في احتمال أن ينتهي الحلم الإنشطاري بكارثة؛ مشكلته الحقيقية أن مسعدًا تجرأ على توزيع المقاعد من دون أن يضع اسمه في قائمة الركاب!

وهذه، بالمناسبة، ليست حكاية مصلح وحده؛ إنها حكاية تتكرر في السياسة، وفي التحالفات، وفي المجالس التي تتحدث عن الشراكة بينما تُحسم قراراتها في الغرف المغلقة، وتُوزع أدوارها بين مجموعة من المحظوظين، ثم يُطلب من الآخرين التصفيق للمشهد باعتباره إنجازًا تاريخيًا.

هناك من يظن أن مجرد وجوده في الصورة يمنحه مقعدًا في الصاروخ، وأن سنوات الوقوف في الطابور تمنحه أولوية الإقلاع، وأن رفع الصوت أو إشهار المواقف الحادة كفيل بإعادة ترتيب قائمة الركاب من أول وجديد.

لكن الصواريخ، كما يبدو، لا تُقلع بالأمنيات، ولا تُحجز مقاعدها بالزعبقة، ولا تُضاف الأسماء إلى قوائمها لمجرد أن أصحابها غضبوا. فثمة من يملك قرار الإقلاع، وثمة من يملك تذكرة السفر، وثمة من لا يملك سوى متابعة العدّ من الأرض!

والأكثر طرافة أن بعضهم لا يسأل: إلى أين يتجه الصاروخ؟ وما الغاية من الرحلة؟ وهل الوجهة آمنة أصلًا؟ كل ما يشغله سؤال واحد: لماذا لم يضعوا اسمي بين الأسماء؟

وإذا قيل له إن الرحلة ليست من نصيبه، اعتبر الأمر إقصاءً متعمدًا، وإذا قيل له إن العدد اكتمل، بحث عن مؤامرة وراء الحسابات، وإذا نصحه أحدهم بالهدوء، أشهر جنبيته، وبدأ يهدد بإعادة النظر في كل شيء!

أما أصحاب الصاروخ، فيواصلون استعداداتهم للإقلاع، وربما لا يعلمون أصلًا أن هناك من يستعد لخوض معركة كاملة بسبب حلم لم يره إلا “مسعد” وحده!

ومع ذلك، فإن مصلحًا يستحق شيئًا من الإنصاف؛ فهو، على الأقل، كان صريحًا في غضبه. لم يتظاهر بأن الأمر لا يعنيه، ولم يلقِ خطابًا عن المبادئ والقيم، ولم يعلن أن الصاروخ فقد شرعيته لأنه لم يجلس داخل غمرة الصاروخ. لقد اختصر المسألة كلها في عبارة تصلح عنوانًا لكثير من خلافات السياسة:

«أنا داري أنها رؤيا، بس أشوف إلى فين قلة الحسبة!»

وهكذا يبقى السؤال: هل المشكلة في أن مصلح لم يجد له مقعدًا، أم في أنه اكتشف متأخرًا أن الرحلة حُسمت قبل أن يبدأ الحلم؟

في السياسة، كما في المنام، قد لا يكون الخطر فيمن لم يصعد الصاروخ، بل فيمن لا يعرف إلى أين سيذهب، ومع ذلك يصر على أن يكون بين ركابه!

أما مصلح، فنصيحتي له أن يحتفظ بجنبيته إلى أن يستيقظ مسعد؛ فقد يتغير مسار الحلم، وقد يُلغى الإقلاع، وقد يعود الصاروخ من حيث أتى.

وإن لم يحدث شيء من ذلك، فعلى الأقل سيجد مصلح فرصة ليحكي الحكاية بطريقته، ويؤكد للجميع أنه لم يكن غاضبًا لأنه لم يركب الصاروخ، بل لأنه أراد فقط أن يعرف إلى أين ستصل قلة الحسبة!

حقوق الأستاذ Mohamed Mohsen Alamri محفوظة

زر الذهاب إلى الأعلى