إلى القوات الجنوبية في الشمال: قبل أن تحرروا الشمال.. اسألوا من يحمي الجنوب؟

معاذ فيزان
في اللحظة التي يخرج فيها رئيس مجلس القيادة الرئاسي رشاد العليمي ليعلن «التعبئة» و«ساعة الصفر» لتحرير المناطق الواقعة تحت سيطرة الحوثيين، يبرز سؤال أكثر أهمية من كل الخطابات والبيانات: من سيقاتل؟ ومن يملك قرار المعركة؟ والأهم من ذلك: من يضمن أن القوات الجنوبية التي تقاتل في الشمال لن تجد نفسها أمام معركة تُفتح عليها من أكثر من اتجاه؟
رسالتي هنا ليست دعوة إلى ترك مواجهة الحوثيين، ولا إلى التخلي عن أي أرض يمنية، وإنما هي دعوة إلى قراءة المشهد بعقل سياسي وعسكري بعيدًا عن العاطفة والشعارات.
القوات الجنوبية الموجودة في جبهات الشمال قدمت تضحيات كبيرة، ولا أحد يستطيع إنكار شجاعة أفرادها وما قدموه من دماء. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم بوضوح: هل ما زالت هذه القوات تؤدي مهمة تخدم أولويات الجنوب وأمنه، أم أنها أصبحت جزءًا من معركة لا تملك قرارها السياسي الكامل؟
كيف يمكن مطالبة القوات الجنوبية بالتقدم شمالًا لتحرير مناطق تقع تحت سيطرة الحوثيين، بينما الجنوب نفسه يواجه تحديات سياسية وأمنية وعسكرية واقتصادية، وهناك أراضٍ جنوبية تحتاج إلى تثبيت الأمن وحماية حدودها ومصالحها؟
الأكثر إثارة للتساؤل أن بعض القوى التي تطالب القوات الجنوبية بالقتال شمالًا هي نفسها التي تصف المشروع الجنوبي بأنه «انفصالي»، وتختلف سياسيًا مع القوات الجنوبية، بل وتضعفها في بعض المواقف، ثم تعود لتطلب منها أن تكون رأس الحربة في تحرير الشمال.
وهنا يجب أن يكون السؤال مشروعًا: لماذا يُطلب من القوات الجنوبية أن تحرر الشمال، بينما القوى الشمالية القادرة على القتال لا تزال موجودة، ولماذا لا تتحمل كل منطقة مسؤولية تحرير أرضها؟
الأمر لا يتعلق بموقف مناطقي أو عداء لأبناء الشمال، بل يتعلق بمنطق عسكري وسياسي واضح: القوة التي تملك الأرض والقضية والمصلحة المباشرة في حمايتها يجب أن يكون لها الأولوية في تحديد أين تُستخدم قواتها وكيف تُدار معاركها.
وإذا كان الحوثي يمثل خطرًا على الجميع، فإن مواجهته مسؤولية مشتركة، لكن لا يمكن أن تتحول هذه المسؤولية إلى طريق باتجاه واحد؛ جنوب يقاتل ويدفع الثمن، وأطراف أخرى تدير المعركة سياسيًا من الخارج.
ولذلك، فإن على القيادات الجنوبية أن تتعامل مع دعوات «ساعة الصفر» بحسابات دقيقة، لا بالعاطفة وحدها.
المعركة مع الحوثي ليست المشكلة الوحيدة التي يجب التفكير فيها؛ المشكلة أيضًا في ترتيب الأولويات، وضمان وحدة القرار العسكري، ومعرفة من يقف مع القوات الجنوبية عندما تبدأ المعركة، ومن قد يستغل انشغالها شمالًا لفتح جبهة أخرى في الجنوب.
وهنا تكمن الخطورة الحقيقية.
فلا ينبغي للقوات الجنوبية أن تجد نفسها في وضع تتحرك فيه شمالًا، بينما تُترك مناطق الجنوب مكشوفة سياسيًا وأمنيًا وعسكريًا.
إن مواجهة الحوثيين لا تعني بالضرورة أن تذهب كل القوات الجنوبية إلى الشمال. يمكن أن تكون هناك ترتيبات عسكرية وسياسية واضحة، وضمانات متبادلة، وتنسيق حقيقي بين القوى المناهضة للحوثي، بحيث لا تصبح القوات الجنوبية مجرد قوة احتياط تُستدعى عند الحاجة ثم تُترك وحيدة عندما تتغير الحسابات.
رسالتي إلى إخوتنا وأبنائنا في القوات الجنوبية: أنتم لستم وقودًا لأي مشروع سياسي. أنتم قوة وطنية جنوبية، ودماؤكم ليست ورقة تفاوض، وقرار تحرككم يجب أن يكون مرتبطًا بمصلحة شعبكم وأمن أرضكم ومستقبل قضيتكم.
قاتلوا عندما تكون المعركة واضحة الهدف، واضحة القيادة، واضحة النتائج، وتخدم أمن الجنوب واستقراره، ولا تسمحوا بأن تتحول تضحياتكم إلى خدمة مجانية لمشاريع سياسية لا تعترف أصلًا بحقوقكم.
أما قضية الحوثي، فهي قضية خطيرة ولا يمكن تجاهلها، ومواجهتها تحتاج إلى مشروع عسكري وسياسي متكامل، لا إلى خطابات عن «ساعة الصفر» تُطلق من خارج أرض المعركة.
وقبل أن نسأل: متى تتحرك القوات الجنوبية لتحرير الشمال؟ يجب أن نسأل أولًا: من يضمن الجنوب إذا تحركت؟
هذا هو السؤال الذي يجب أن يُطرح اليوم بصوت واضح.
لأن التاريخ لا يرحم من يخطئ في ترتيب الأولويات، والجنوب الذي دفع أثمانًا باهظة من الدماء لا يحتمل أن يكتشف بعد فوات الأوان أن قواته كانت تحارب في المكان الخطأ، وفي التوقيت الخطأ، ولصالح حسابات لم تكن جزءًا من حساباته.
احسبوها بعقل.. فالسياسة لا تُدار بالعاطفة، والحروب لا تُخاض بالشعارات، والجنوب أولًا ليس شعارًا؛ بل مسؤولية وقرار ومصلحة يجب أن تُحمى.