حين تتعدد الأقلام.. يبقى الحبر واحدًا: فاختر قلمك قبل أن يختارك التاريخ

بقلم – فضل القطيبي
ليست كل الأقلام سواء، وإن تشابهت في الشكل، ولا كل الكلمات متساوية، وإن خرجت من حبر واحد. فالقلم قد يكون وسيلة لبناء الوعي، والدفاع عن الحقيقة، وتصحيح المسار، وقد يتحول في المقابل إلى أداة للتضليل، وتزييف الحقائق، وإثارة الفتن.
هناك قلمٌ يُحرّر، وآخر يُقرّر، وقلمٌ يُبرّر، وقلمٌ يحاول أن يُمرّر ما لا يمكن تمريره. وهناك قلمٌ أجير تحركه المصالح، وقلمٌ أسير لا يملك حرية التعبير، وقلمٌ يستفز، وآخر يفزع، وقلمٌ يعزف على أوتار الحقيقة والواقع.
وهناك قلمٌ مدهش يترك أثرًا، وآخر منعش يبعث الأمل، وقلمٌ لا يهشّ ولا ينشّ، لا يضيف إلى المشهد شيئًا. كما نجد قلمًا ظاهرًا في مواقفه، وقلمًا قاهرًا بقوة حجته، وآخر طاهرًا يحاول أن يحافظ على شرف الكلمة ونزاهتها.
وفي المقابل، هناك قلمٌ متطور يواكب العصر، وآخر متورط في نقل الشائعات وترويج الأكاذيب، وقلمٌ ممتع يجذب القارئ بما يقدمه من فكر ومعرفة، وآخر معتم لا يرى في المشهد إلا الجانب المظلم.
والفارق الحقيقي لا يكمن في القلم ذاته، بل في اليد التي تحمله، والعقل الذي يوجهه، والضمير الذي يحاسب صاحبه قبل أن تصل كلماته إلى الناس.
فالصحافة ليست مجرد حروف تُرصّ على الورق أو منشورات تُنشر على منصات التواصل، وإنما مسؤولية وأمانة. والكلمة قد ترفع وعي مجتمع، وقد تزرع الأمل في نفوس الناس، كما يمكن أن تشعل خلافًا أو تسيء إلى إنسان أو تشوه حقيقة.
لذلك، فإن الكاتب والإعلامي الحقيقي لا يقيس نجاحه بعدد المتابعين أو سرعة انتشار ما يكتب، بل بمدى صدق كلمته، ودقة معلوماته، واحترامه لعقل القارئ، وقدرته على التفريق بين الخبر والرأي، وبين النقد والتشهير، وبين المعلومة والشائعة.
تعددت الأقلام، واختلفت الاتجاهات، لكن الحبر واحد؛ ولذلك احرص على اختيار نوع القلم الذي تضع فيه حبرك.
فالكلمة تبقى، والمواقف تُسجل، والتاريخ لا يتذكر فقط من كتب، بل يتذكر أيضًا ماذا كتب، ولماذا كتب، ولمن كتب.