الصين تراهن على ”الذكاء المتجسد“.. الروبوتات تستعد للخروج من الشاشة

تدخل الصين مبكراً سباقاً جديداً في الذكاء الاصطناعي، لا يقتصر على تطوير النماذج والخوارزميات، بل يمتد إلى بناء البيانات ومراكز التدريب والمعايير التي ستحدد قدرة الروبوتات على فهم العالم الحقيقي والتفاعل معه. وفي قلب هذا السباق يبرز ما يعرف بـ”الذكاء الاصطناعي المتجسد“، الذي ينقل الذكاء من الشاشة إلى آلات قادرة على الإدراك والتعلم واتخاذ القرار والحركة.
وتتحرك بكين لوضع معايير خاصة ببيانات هذه التكنولوجيا ودعم الشركات التي تزيد استثماراتها في موارد البيانات اللازمة لتشغيلها، في وقت تواجه فيه الصناعة نقصاً حاداً في البيانات الواقعية المطلوبة لتدريب الروبوتات.
وبحسب تقرير أعدته ”بلومبرغ“، أعلنت الهيئة الوطنية للبيانات في الصين أنها تعمل على وضع معايير لبيانات ”الذكاء الاصطناعي المتجسد“، إلى جانب دعم الشركات التي تضخ استثمارات أكبر في موارد البيانات المرتبطة بتشغيل هذه التكنولوجيا.
ولا تتعلق المعركة بالبيانات وحدها، إذ تعمل الصين بالتوازي على توسيع البنية التحتية اللازمة لتدريب الأنظمة واختبارها، في مسعى لبناء منظومة متكاملة يمكن أن تمنحها موقعاً مبكراً في سوق الروبوتات المستقلة.
وتكشف أزمة البيانات حجم التحدي الذي تواجهه هذه الصناعة. وتشير تقديرات الأكاديمية الصينية لتكنولوجيا المعلومات والاتصالات إلى أن تطوير النماذج الأساسية لـ”الذكاء الاصطناعي المتجسد“ يتطلب قرابة 10 ملايين ساعة من بيانات التدريب الواقعية، بينما لا يتوفر عالمياً سوى ما بين 100 ألف ومليون ساعة من البيانات عالية الجودة.
وتحتاج هذه الأنظمة إلى بيانات مختلفة عن تلك التي تعتمد عليها نماذج الذكاء الاصطناعي التقليدية، لأنها لا تتعلم فقط من النصوص والصور والفيديوهات، وإنما تحتاج أيضاً إلى معلومات عن الحركة والقوة والعمق واللمس والوضعية، وكيفية تفاعل الأجسام مع الوزن والجاذبية وقوانين الفيزياء.
وفي محاولة لسد هذه الفجوة، تعمل الصين على توسيع قدرتها على إنتاج البيانات اللازمة لتدريب الأنظمة. ووفق موقع ”TechNode“، يوجد أكثر من 70 موقعاً مخصصاً لتدريب ”الذكاء الاصطناعي المتجسد“ موزعة في أكثر من نصف الأقاليم الصينية، فيما يجري إنشاء أو التخطيط لإنشاء 46 موقعاً إضافياً.
ويتركز نحو 86 بالمئة من هذه المواقع في قطاع التصنيع، ما يعكس تركيزاً واضحاً على استخدام التكنولوجيا في تطوير الروبوتات وأتمتة المصانع والعمليات الإنتاجية.
ويقول خبير تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي مازن الدكاش إن ”الذكاء الاصطناعي المتجسد“ يمثل تحولاً في طريقة بناء الأنظمة الذكية، لأنه ينقل الآلات من التعامل مع المعلومات إلى فهم ما يحدث حولها والتصرف بناءً عليه.
ويوضح الدكاش أن الذكاء الاصطناعي التوليدي يعمل أساساً ضمن بيئة رقمية لمعالجة النصوص والصور، بينما يحتاج ”الذكاء الاصطناعي المتجسد“ إلى بناء تصور عن المكان الموجود فيه الروبوت، وفهم حركة الإنسان والبيئة المحيطة، ثم اختيار التصرف المناسب في الوقت الحقيقي.
ولهذا السبب، تصبح عملية جمع البيانات أكثر تعقيداً وكلفة. فالروبوت يحتاج إلى ربط الرؤية بالحركة واللمس والقوة والعمق، إضافة إلى فهم تأثير الوزن والجاذبية، وهي بيانات لا يمكن الحصول عليها بسهولة من الإنترنت كما هو الحال مع النصوص والصور.
ويشير الدكاش إلى أن جمع هذه البيانات يتطلب تشغيل روبوتات وأجهزة استشعار متخصصة في بيئات مختلفة، وتسجيل كل حركة وقرار ونتيجة، حتى تتعلم الآلة كيفية التعامل مع الحالات المتغيرة.
ولتقليص الوقت والكلفة، تتجه الشركات إلى إنتاج ”بيانات اصطناعية“ عبر عوالم افتراضية ثلاثية الأبعاد شبيهة بألعاب الفيديو، حيث يمكن للروبوت أن يتدرب ملايين المرات دون المخاطر المرتبطة بالتجارب في العالم الحقيقي، ثم تُستخدم نتائج تلك التجارب في تطوير الأنظمة.
ويرى مطور التطبيقات سامر طبارة أن التحرك الصيني لا يرتبط بالسلامة والتنظيم فقط، وإنما بالمنافسة الصناعية على البنية التحتية التي ستحتاج إليها صناعة الروبوتات خلال السنوات المقبلة.
ويقول طبارة إن الدول التي تنجح في بناء منظومة تجمع البيانات ومراكز التدريب والقدرات الحوسبية والمعايير التنظيمية قد تمتلك موقعاً مهماً عندما تصبح الروبوتات جزءاً أساسياً من الاقتصاد، وهو ما يفسر، بحسبه، سعي الصين إلى بناء هذه المنظومة بالتوازي مع تطوير الروبوتات نفسها.
وتتجاوز التطبيقات المتوقعة خطوط الإنتاج إلى الرعاية الصحية والخدمات اللوجستية والزراعة والمهام في البيئات الخطرة، فيما يربط طبارة هذا التوسع بأزمة نقص العمالة وشيخوخة السكان في عدد من الاقتصادات الكبرى.
ويرى طبارة أن تأثير هذه التكنولوجيا قد يمتد إلى سلاسل التوريد والوظائف التقليدية، مع إمكانية خلق قيمة اقتصادية كبيرة خلال العقد المقبل.
ولا يتوقف الرهان الصيني عند تطوير التكنولوجيا، بل يمتد إلى محاولة التأثير في القواعد التي ستحكمها. ويعتبر طبارة أن بناء معايير موحدة لبيانات ”الذكاء الاصطناعي المتجسد“ قد يمنح الصين قدرة أكبر على التأثير في المعايير الفنية التي قد تستند إليها أسواق أخرى.
وبذلك، يتسع سباق الذكاء الاصطناعي من النماذج التي تنتج النصوص والصور إلى معركة على البيانات ومراكز التدريب والبنية الحوسبية والمعايير، فيما تستعد الروبوتات للانتقال من عالم الشاشة إلى عالم تستطيع فيه أن ترى وتتعلم وتتحرك وتتفاعل مع البيئة المادية.